تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
إن يتنجم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل منهم ، فدلك بها وجهه ، وجلده ، وإذا أمرهم أمرا ابتدروا أمره ، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم ، وما يحدّون النظر تعظيما له ، وإنّه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها . فقال رجل من كنانة : دعوني آتيه . قالوا : أتيه . فلمّا أشرف على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، قال النبي : « هذا فلان من قوم يعظّمون البدن ، فابعثوها له » « 1 » فبعثت له ، واستقبله قوم يلبّون ، فلمّا رأى ذلك ، قال : سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت ، ثمّ بعثوا إليه الجليس بن علقمة بن ريان ، وكان يومئذ سيّد الأحابيش ، فلمّا رآه رسول الله قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ هذا من قوم يتألّهون ، فابعثوا بالهدي في وجهه حتّى يراه » « 2 » . فلمّا رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده ، قد أكل أوتاده من طول الحبس ، رجع إلى قريش ، ولم يصل إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم إعظاما لما رأى ، فقال : يا معشر قريش ، إنّي قد رأيت ما لا يحل صدّه ، الهدي في قلائده ، قد أكل أوتاده من طول الحبس عن محلّه ، فقالوا له : اجلس ، فإنّما أنت أعرابي لا علم لك ، فغضب الجليس عند ذلك ، فقال : يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ، ولا على هذا عاقدناكم أن تصدّوا عن بيت الله من جاءه معظّما له ، والذي نفس الجليس بيده ، لتخلنّ بين محمّد ، وبين ما جاء له ، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد ، فقالوا له : كفّ عنّا يا جليس حتّى نأخذ لأنفسنا بما نرضى به . فقام رجل منهم يقال له : مكرز بن حفص ، فقال : دعوني آته . فقالوا : ائته . فلمّا أشرف عليهم ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « هذا مكرز بن حفص ، وهو رجل فاجر » ، فجعل يكلّم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذ جاء سهيل بن عمرو فلمّا رآه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « قد سهل لكم أمركم ، القوم يأتون إليكم بأرحامكم ، وسائلوكم الصلح ، فابعثوا الهدي وأظهروا التلبية لعلّ ذلك يليّن قلوبهم » « 3 » فلبّوا من نواحي العسكر حتّى ارتجّت أصواتهم بالتلبية ، فجاءوا ، فسألوا الصلح ، وقال سهيل : هات نكتب بيننا وبينكم كتابا ، فدعا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقال له : « اكتب :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *
» . فقال سهيل : أما الرّحمن فلا أدري ما هو ، ولكن اكتب باسمك اللّهم ، كما كنت تكتب ، فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلّا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *
. فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لعليّ : « اكتب باسمك اللّهم » ، ثمّ قال : « اكتب : هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله » . فقال سهيل : والله لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت ، ولا قاتلناك ، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « والله إنّي لرسول الله وإن كذّبتموني » . ثمّ قال لعلي : « امح رسول الله » ،
هامش
( 1 ) مسند أحمد : 4 / 330 ؛ السنن الكبرى : 9 / 220 . ( 2 ) مسند أحمد : 4 / 324 . ( 3 ) كنز العمال : 10 / 478 .
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 58 | الثعلبي / نظير الساعدي