فوثب عمر بن الخطّاب إلى أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول : اصبر يا أبا جندل ، فإنّما هم المشركون وإنّما دم أحدهم دم كلب ، ويدني قائم السيف منه ، قال : يقول عمر : رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه ، فضنّ الرجل بأبيه .
قالوا : وقد كان أصحاب رسول الله خرجوا ، وهم لا يشكّون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلمّا رأوا ذلك دخل الناس أمر عظيم حتى كادوا يهلكون ، وزادهم أمر أبي جندل شرّا إلى ما بهم ، فقال عمر : والله ما شككت منذ أسلمت إلى يومئذ ، فأتيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت : ألست رسول الله ؟ قال : « بلى » . قلت : ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل ؟ قال : « بلى » . قلت : فلم نعطي الدّنية في ديننا إذا ؟
قال : « إنّي رسول الله ، ولست أعصيه ، وهو ناصري » [ 49 ] « 1 » .
قلت : ألست تحدّثنا أنّا سنأتي البيت ، فنطوف به ؟ قال : « بلى » . قال : « هل أخبرتك أنّا نأتيه العام ؟ » . قلت : لا ، قال : « فإنّك آتيه ومطوّف به » ، قال : ثمّ أتيت أبا بكر ، وقلت : أليس هذا نبيّ الله حقّا ؟
قال : بلى . قلت : أفلسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل ؟ قلت : فلم يعطي الدّنية في ديننا إذا ؟ قال : أيّها الرجل إنّه رسول الله ، وليس يعصي ربّه ، فاستمسك بغرزه حتّى تموت ، فوالله إنّه لعلى الحقّ . قلت : أوليس كان يحدّث أنّا سنأتي البيت ، ونطوّف به ؟ قال : بلى . قال : أفأخبرك أنّك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنّك آتيه وتطوف به . قال عمر : فما زلت أصوم وأتصدّق ، وأصلّي ، وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلّمت به .
قالوا : فلمّا فرغ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم من الكتاب أشهد رجالا على الصلح من المسلمين ، ورجالا من المشركين ، أبا بكر ، وعمر ، وعبد الرّحمن بن عوف ، وعبد الله بن سهيل بن عمرو ، وسعد بن أبي وقاص ، ومحمود بن مسلمة أخا بني عبد الأشهل ، ومكرز بن حفص بن الأحنف ، وهو مشرك ، وعلي بن أبي طالب ، وكان هو كاتب الصحيفة .
فلمّا فرغ رسول الله من قصّته سار مع الهدي ، وسار الناس ، فلمّا كان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية ، عرض له المشركون فردوا وجوهه ، فوقف النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حيث حبسوه ، وهي الحديبية وقال لأصحابه : « قوموا ، فانحروا ، ثمّ احلقوا » . قال : فوالله ما قام منهم رجل .
حتّى قال ذلك ثلاث مرّات فلمّا لم يقم منهم أحد . قام فدخل على أمّ سلمة ، فذكر لها ما لقي من الناس .
فقالت أمّ سلمة : يا نبيّ الله اخرج ، ثمّ لا تكلّم أحدا منهم كلمة حتّى تنحر بدنتك وتدعو
هامش
( 1 ) المعجم الكبير : 20 / 14 ؛ إرواء الغليل : 1 / 58 .