شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا ، وإلّا فقد حموا ، فوالله لأقاتلنّهم على أمري هذا ، حتّى تنفرد سالفتي أو لينفذنّ الله أمره » [ 46 ] « 1 » .
فقال بديل : سنبلغهم ما تقول .
فانطلق حتّى أتى قريشا ، فقال : إنّا قد جئناكم من عند هذا الرجل ، وسمعناه يقول قولا ، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا ، فقال سفهاؤوهم : لا حاجة لنا في أن تحدّثنا بشيء عنه ، وقال ذوو الرأي منهم : هات ما سمعته يقول . قال : سمعته يقول كذا ، وكذا . فحدّثهم بما قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقام عروة بن مسعود الثقفي ، فقال : أي قوم ، ألستم بال الوالد ؟ قالوا : بلى . قال :
ألست بالولد ؟ قالوا : بلى .
قال : فهل تتّهموني ؟ قالوا : لا . قال : أفلستم تعلمون أنّي استنفرت أهل عكاظ ، فلمّا ألحّوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا : بلى . قال : فإنّ هذا الرجل ، قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته ، قالوا : آتيه . فأتاه ، فجعل يكلّم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال النبي نحوا من مقالته لبديل ، فقال عروة عند ذلك : يا محمّد ، أرأيت إن استأصلت قومك ، فهل سمعت بأحد من العرب استباح ، - وقيل اجتاح - أصله قبلك ؟ وإن تكن الأخرى فوالله إنّي لأرى وجوها وأشوابا من الناس خلقا أن يفرّوا ويدعوك .
فقال أبو بكر الصدّيق رضي اللّه عنه : امصص بظر اللات - واللات طاغية ثقيف التي كانوا يعبدون - أنحن نفرّ وندعه ؟ فقال : من هذا ؟ قالوا : أبو بكر . فقال : أما والّذي نفسي بيده ، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها ، لأجبتك ، وجعل يكلّم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فكلّما كلّمه أخذ بلحيته ، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله ، ومعه السيف وعلى رأسه المغفر ، فكلّما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ضرب يده بنعل السيف ، وقال : أخّر يدك عن لحيته ، فرفع عروة رأسه ، فقال : من هذا ؟ قالوا : المغيرة بن شعبة . قال : أي غدّار ، أو لست أسعى في غدرتك ؟ وكان المغيرة قد صحب قوما في الجاهلية ، فقتلهم ، وأخذ أموالهم ، ثمّ جاء فأسلم ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « امّا الإسلام فقد قبلنا ، وأمّا المال ، فإنّه مال غدر لا حاجة لنا فيه » [ 47 ] « 2 » . وإنّ عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله بعينه ، فقال : والله لن يتنخم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل منهم ، فدلك بها وجهه ، وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدّون النظر إليه تعظيما له .
فرجع عروة إلى أصحابه ، فقال : أي قوم لقد وفدت على الملوك ، ووفدت على قيصر ، وكسرى ، والنجاشي ، والله إن رأيت ملكا يعظّمه أصحابه ما يعظّمه أصحاب محمّد محمّدا ، والله
هامش
( 1 ) السنن الكبرى : 9 / 219 ؛ والمصنف : 5 / 333 بتفاوت ، والمعجم الكبير : 20 / 11 .
( 2 ) سنن أبي داود : 1 / 629 ؛ تاريخ الطبري : 2 / 275 .