نستغفر الله ، ونتوب إليه » . ففعلوا ، فقال : « والله إنّها للحطّة التي عرضت على بني إسرائيل ، فلم يقولوها » [ 44 ] « 1 » .
ثمّ قال رسول الله للنّاس : « اسلكوا ذات اليمين » في طريق يخرجه على ثنية المرار على مهبط الحديبية من أسفل مكّة .
فسلك الجيش ذلك الطريق ، فلمّا رأت خيل قريش فترة قريش وأنّ رسول الله قد خالفهم عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش ينذرونهم ، وسار رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى إذا سلك ثنية المرار بركت به ناقته ، فقال النّاس : حل حل . فقال : « ما حل ؟ » قالوا : حلأت الفضول . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما حلأت ، وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل » .
ثمّ قال : « والّذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يعظمون بها حرمات الله ، وفيها صلة الرحم إلّا أعطيتهم إيّاها » ، ثمّ قال للناس : « انزلوا » فنزلوا بأقصى الحديبية على بئر قليلة الماء ، إنّما يتبرضه الناس تبرضا ، فلم يلبث الناس أن ترجوه ، فشكا الناس إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم العطش فنزع سهما من كنانته ، وأعطاه رجلا من أصحابه يقال له : ناجية بن عمير بن يعمر بن دارم ، وهو سائق بدن رسول الله [ 45 ] « 2 » ، فنزل في ذلك البئر ، فغرزه في جوفه ، فجاش الماء بالريّ ، حتّى صدروا عنه ، ويقال : إنّ جارية من الأنصار أقبلت بدلوها ، وناجية في القليب يمتح على الناس ، فقالت :
يا أيّها الماتح دلوي دونكا * إنّي رأيت الناس يحمدونكا « 3 »
يثنون خيرا ويمجّدونكا * أرجوك للخير كما يرجونكا
فقال :
قد علمت جارية يمانية * أنّي أنا الماتح واسمي ناجية
وطعنة ذات رشاش واهية * طعنتها عند صدور العادية
قال : فبينا هم كذلك ، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه ، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم من أهل تهامة ، فقال : إنّي تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد نزلوا بعداد مياه الحديبية ، معهم العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك ، وصادّوك عن البيت .
فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّا لم نأت لقتال أحد ، ولكن جئنا معتمرين ، وإنّ قريشا قد نهكتهم الحرب ، وأضرّت بهم ، فإن شاءوا ماددناهم مدة ، ويخلّوا بيني وبين الناس ، فإن أظهر ، وإن
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري : 2 / 273 ؛ البداية والنهاية : 4 / 189 .
( 2 ) مسند أحمد : 4 / 323 ؛ وصحيح البخاري : 3 / 178 بتفاوت ، وسنن أبي داود : 1 / 629 .
( 3 ) البداية والنهاية : 4 / 189 .