وَلا مَجْنُونٍ
نزلت هذه الآية في الخرّاصين الذين اقتسموا عقاب مكة ، يصدون الناس عن الإيمان ، ويرمون رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بالكهانة والجنون والسحر والشعر . فذلك قوله سبحانه :
أَمْ يَقُولُونَ
يعني هؤلاء المقتسمين الخرّاصين
شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ
حوادث الدهر فيكفينا أمره بموت أو حادثة متلفة فيموت ويتفرق أصحابه ، وذلك أنهم قالوا : ننتظر به ملك الموت فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة وفلان وفلان ، إنّما هو كأحدهم ، وإنّ أباه توفي شابا ، ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه .
والمنون يكون بمعنى الدهر ، ويكون بمعنى الموت ، سمّيا بذلك لأنّهما ينقصان ويقطعان الأجل ، قال الأخفش : لأنّهما يمنيان قوى الإنسان ومنيه أي ينقصان ، وأنشد ابن عباس :
تربّص بها ريب المنون لعلّها * تطلّق يوما أو يموت حليلها « 1 »
قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ
حتى يأتي أمر الله فيكم .
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ
عقولهم
بِهذا
وأنّهم كانوا يعدون في الجاهلية أهل الأحلام ويوصفون بالعقل ، وقيل لعمرو بن العاص : ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله سبحانه بالعقول ؟ . فقال : تلك عقول كادها الله ، أي لم يصحبها التوفيق .
أَمْ هُمْ
بل هم
قَوْمٌ طاغُونَ
.
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ
استكبارا .
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ
أي مثل هذا القرآن يشبهه
إِنْ كانُوا صادِقِينَ
أنّ محمدا تقوّله من تلقاء نفسه ، فإنّ اللسان لسانهم ، وهم مستوون في البشرية واللغة والقوة .
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ
قال ابن عباس : من غير ربّ ، وقيل : من غير أب ولا أم ، فهم كالجماد لا يعقلون ، ولا يقوم لله عليهم حجة ، أليسوا خلقوا من نطفة ثم علقة ثم مضغة ؟ قاله ابن عطاء ، وقال ابن كيسان : أم خلقوا عبثا وتركوا سدى لا يؤمرون ولا ينهون ، وهذا كقول القائل : فعلت كذا وكذا من غير شيء يعني لغير شيء .
أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ
لأنفسهم .
أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ
قال ابن عباس :
المطر والرزق ، وقال عكرمة : يعني النبوّة ، وقيل : علم ما يكون
أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ
المسلطون الجبّارون . قاله أكثر المفسّرين ، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس ، وقال عطاء : أرباب قاهرون ، وقال أبو عبيدة : يقال : خولا تسيطرت عليّ : اتّخذتني ، وروى العوفي عن ابن عباس :
أم هم المنزلون .
هامش
( 1 ) لسان العرب : 7 / 40 .