تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
الرّجل منهم ، وبالرّجل منّا الرّجلين منهم ، وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك وهم كذا يعاملونهم في الجاهلية . فرفعوا أمرهم إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وأمرهم بالمساواة فرضوا وسلّموا . السّدي وجماعة : نزلت هذه الآية في الدّيات ؛ وذلك إنّ أهل حزبين من العرب اقتتلوا ؛ أحدهما مسلم والآخر معاهد . فأمر الله تعالى نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يصلح بينهم بأن يجعل ديات النّساء من كل واحد من الفريقين قصاصا بديات النّساء من الفريق الآخر ، وديات الرّجال بالرّجال ، والعبيد بالعبيد ، فأنزل
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ
فرض وكتب عليكم في القتلى « 1 » ، والقصاص : المساواة والمماثلة في النفوس والجروح والدّيات ، وأصله من قصّ الأثر إذا اتّبعه فكان المفعول به يتبع ما عمل به فيعمل مثله ، ثمّ بيّن فقال :
الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى
.

ذكر حكم الآيات

إذا تكافأ الدّمان من الأحرار المسلمين أو العبيد من المسلمين ، أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم قتل من كل صنف منهم : الذكر إذا قتل منهم بالذكر ، والأنثى إذا قتلت بالأنثى ، والذكر والإجماع واقع إنّ الرّجل يقتل بالمرأة لأنّهما يتساويا في الحرمة والميراث وحد الزّنى والقذف وغير ذلك ؛ فلذلك يجب أن يستويا في القصاص ولا يقتل الحرّ بالعبد وعليه قيمته وإن بلغت [ ثلث ] ؛ لما بينهما من المفاضلة ، ولا يقتل مؤمن بكافر . بدليل ما روى الشّعبي عن أبي حجيفة قال : سألت عليّا كرم الله وجهه هل عندكم من النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم سوى القرآن ؟ فقال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النّسمة إلّا أن يعطي الله عزّ وجلّ عبدا فهما في كتابه وما في الصحيفة . قلت : وما في الصّحيفة ؟ قال : العقل وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر « 2 » ، ولا يقتل [ سيد ] بعبده ، ولا والد بولده « 3 » . يدلّ عليه ما روى إن رجلا اسمه قتادة رمى ابنه بسيف فأصاب رجله فنزف فمات . فقال عمر ( رضي الله عنه ) : لولا أني سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : لا يقاد والد بولده ، وإلّا قدته به .
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ
أيّ ترك وله وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص ، وروي عن علي ( رضي الله عنه ) إنّه قتل ثلاثة بواحد في قتل العمد هذا قول أكثر المفسرين قالوا : العفو أن يقبل الدّية في قتل العمد ، وقال السّدي : هو أن يبقى له بقية من دية أخيه أو من أرش جراحته .
هامش
( 1 ) راجع تفسير الطبري : 2 / 140 . ( 2 ) إلى هنا موجود في المصدرين . ( 3 ) كتاب المسند للشافعي : 190 ، والمصنف لعبد الرزاق : 10 / 100 ح 1850 .