تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
والزهرة .
كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
، وهو المطر .
فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ
، أي اختلط الماء بالنبات ، لأن الماء إذا دخل في الأرض ينبت به النبات ، فكأنه اختلط به ،
فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ
. وفي الآية مضمر ، ومعناه : فاختلط الماء بنبات الأرض فنبت وحسن ، حتى إذا بلغ أرسل اللّه آفة فأيبسته فصار هشيما ، أي صار يابسا متكسرا بعد حسنه . قال القتبي : وأصله من هشمت الشيء إذا كسرته ، ومنه سمي الرجل هاشما
تَذْرُوهُ الرِّياحُ
، أي ذرته الرياح كالرماد ولم يبق منه شيء ، فكذلك الدنيا في فنائها وزوالها تهلك إذا جاءت الآخرة وما فيها من الزهرة .
وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً
، أي قادرا من البعث وغيره . قرأ حمزة والكسائي : الريح بلفظ الوحدان ، وقرأ الباقون
الرِّياحُ
بلفظ الجماعة .

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 46 إلى 48 ]

الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ( 46 ) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ( 47 ) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً ( 48 ) قوله تعالى :
الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا
، أي غرورا لا يبقى كما لا يبقى الهشيم حين ذرته الريح ، وإنما يبقى في الآخرة .
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ
، أي الصلوات الخمس ، هكذا روي عن أبي الهيثم ومسروق . وقال مسروق :
الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ
هي الخمس صلوات ، وهي الحسنات يذهبن السيئات ، وكذلك قال ابن أبي مليكة . وروى سفيان الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد في قوله
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ
قال : « سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر » . وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه خرج على قومه وقال خذوا جنّتكم ، قالوا : يا رسول اللّه أمن عدوّ حضر ، قال : لا بل من النّار . قالوا : وما جنّتنا من النّار ؟ قال : « سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلّا اللّه واللّه أكبر » . ويقال : كل طاعة يبقى ثوابها ، فهي الباقيات الصالحات : الصلاة ، والصدقة ، والتسبيح ، وجميع الطاعات .
خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا
، أي خير من هذه الزينة والغرور عند اللّه تعالى ، وخير ما يثبت اللّه العبد ،
وَخَيْرٌ أَمَلًا
أي خير ما يوصل العبد الصلاة والتسبيح ، أي : أفضل رجاء مما يرجو الكافر ، لأن ثواب الكافر النار ومرجعه إلى النار . وقال تعالى :
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ
، أي نزيلها عن وجه الأرض ونسيرها كما نسير السحاب كقوله :
وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
[ النمل : 88 ] .
وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً
، أي ظاهرة من تحت الجبال ، ويقال :
بارِزَةً
أي خالية مما فيها من الكنوز والأموات ، كما قال :
وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ
[ الانشقاق : 4 ] . قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويوم تسيّر الجبال بالتاء مع الضمة ونصب الياء وضم اللام ، على معنى فعل ما لم يسم فاعله ، وقرأ الباقون :
نُسَيِّرُ
بالنون ونصب اللام ، كما قال :
وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً
، أي لم نترك منهم أحدا ولا