جئت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان فقلت : يا رسول اللّه ، من أي شيء تبكي ؟ فقال : « أبكي للّذي عرض عليّ لأصحابك من أخذهم الفداء » . فنزل
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى
وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لو نزل من السّماء عذاب ما نجا منه أحد غير عمر » . قرأ أبو عمرو أن تكون له أسرى بلفظ التأنيث ، والباقون بالياء بلفظ التذكير ، لأن الفعل مقدم .
ثم قال :
وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
، يعني : عزة الدين .
وَاللَّهُ عَزِيزٌ
في ملكه
حَكِيمٌ
في أمره .
قوله تعالى :
لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ
، يقول : لولا أن اللّه أحلّ الغنائم لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ
؛ يعني : لأصابكم فيما أخذتم من الفداء
عَذابٌ عَظِيمٌ
، ثم طيّبها - وأحلّها لهم فقال :
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً
. وروى الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة أنه قال : « لم تحل الغنيمة لقوم سود الرؤوس قبلكم ، كان تنزل نار من السماء فتأكلها ، حتى كان بدر ، فوقعوا في الغنائم فأحلت لهم » فأنزل اللّه تعالى :
لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ
وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي ، بعثت إلى النّاس كافّة ، ونصرت بالرّعب مسيرة شهر ، وأحلّت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وجعلت لي شفاعة لأمّتي يوم القيامة » « 1 » .
وللآية وجه آخر . روى الضحاك في قوله تعالى :
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى
وذلك : أنه لما كان يوم بدر ووقعت الهزيمة على المشركين ، أسرع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أخذ أسلاب المشركين ممن قتل يوم بدر ، وأخذ الغنائم وفداء الأسرى وشغلوا أنفسهم بذلك عن القتال ، فقال عمر رضي اللّه عنه : يا رسول اللّه ، ألا ترى إلى ما يصنع أصحابك ؟ تركوا قتال العدو ، وأقبلوا على أسلابهم ، وإني أخاف أن تعطف عليهم خيل من خيل المشركين فنزل :
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا
، يعني : أتطلبون الغنائم وتتركون القتال
وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
، يعني :
قهر المشركين وإظهار الإسلام ،
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
قوله تعالى :
لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ
؛ يعني : لولا ما سبق في الكتاب أن الغنائم تحلّ لهذه الأمة ، لأصابكم
عَذابٌ عَظِيمٌ
وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو نزل من السّماء عذاب ، ما نجا أحد غير عمر ، لأنّه لم يترك القتال » « 2 » .
هامش
( 1 ) حديث أبي ذر : أخرجه أحمد : 5 / 148 وصححه الحاكم 2 / 413 ووافقه الذهبي . والبزار ( 3461 ) وفي الباب حديث جابر عند البخاري ( 335 ) و ( 438 ) و ( 3122 ) ومسلم ( 521 ) وأحمد 3 / 304 والنسائي :
1 / 210 والبغوي ( 3616 )
( 2 ) أخرجه السيوطي : 3 / 203 والقرطبي : 8 / 47 والطبراني : 10 / 34 .