حَصِيراً
أي حبيسا ، أخذ من قوله : حصرت الرجل إذا حبسته ، وهو محصور ، والحصير المنسوج ، وإنما سمي
حَصِيراً
لأنه حصرت طاقاته بعضها فوق بعض .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 9 إلى 12 ]
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ( 9 ) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 10 ) وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً ( 11 ) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً ( 12 )
ثم قال :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
أي : يدعو ويدل ويرشد إلى التي هي
أَقْوَمُ
وهو توحيد وشهادة أن لا إله إلا اللّه ، والإيمان برسول اللّه والعمل بطاعة اللّه . هذه صفة الحال التي هي أقوم ،
وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ
يعني : القرآن بشارة للمؤمنين
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً
في الجنة
وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
أي : لا يصدقون بالبعث
أَعْتَدْنا لَهُمْ
أي : هيّأنا لهم
عَذاباً أَلِيماً
أي : وجيعا . قرأ حمزة والكسائي : ويبشر المؤمنين بنصب الياء وجزم الباء والتخفيف . وقرأ الباقون :
وَيُبَشِّرُ
برفع الياء والتشديد .
قوله :
وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ
وأصله في اللغة : ويدعو بالواو ، إلا أن الواو والألف حذفت في الكتابة ، لأن الضمة تقوم مقامها مثل قوله :
سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ
[ العلق : 18 ] وأصله سندعو أي : يدعو الإنسان باللعن على نفسه وأهله وولده وماله وخدمه ،
دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ
أي : دعاءه بالرزق والعافية والرحمة وما يستجاب له . فلو استجيب له إذا دعاه باللعن كما يجاب له بالخير لهلك . ويقال : نزلت في النضر بن الحارث حيث قال :
فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ
[ الأنفال : 32 ]
وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
يعني : إن آدم عجل بالقيام قبل أن تتمّ فيه الروح ، وكذلك النضر بن الحارث استعجل بالدعاء على نفسه ، وهو يستعجل العذاب . ويروي الحكم ، عن إبراهيم ، عن سلمان أنه قال : « لما خلق اللّه تعالى آدم ، بدأ بأعلاه قبل أسفله ، فجعل آدم ينظر وهو يخلق ، فلما كان بعد العصر قال : يا رب عجّل قبل الليل » . فذلك قوله :
وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
قال ابن عباس : « لما جعل فيه الروح فإذا جاوز عن نصفه ، أراد أن يقوم فسقط فلذلك قيل له : لا تعجل » ، فذلك قوله :
وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
.
قوله عز وجل :
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ
أي : خلقنا الشمس والقمر علامتين يدلان على أن خالقهما واحد
فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ
أي : ضوء القمر ، وهو السواد الذي في جوف القمر . وقال محمد بن كعب القرظي : « كانت شمس بالليل ، وشمس بالنهار ، فمحيت شمس الليل » . وقال ابن عباس : « كان في الزمان الأول لا يعرف الليل من النهار . فبعث اللّه جبريل ، فمسح جناحه بالقمر ، فذهب ضوؤه ، وبقي علامة جناحه وهو السواد الذي في القمر » ، فذلك