سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
أي : عملهم مقبولا ويقال : معناه ، من كان غرضه وقصده وعزمه الدنيا وحطامها وزهرتها ، عجلنا له فيها للمزيد في الدنيا ما نشاء لمن نريد أن نعطيه بإرادتنا لا بإرادته ، ومن كان قصده وعزمه الآخرة وعمل عمل الآخرة فنعطي له ما يريد من الآخرة .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 20 إلى 22 ]
كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( 20 ) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ( 21 ) لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً ( 22 )
قوله تعالى :
كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ
أي : كلا الفريقين من المؤمنين والكافرين نعطي هؤلاء من أهل الطاعة ،
وَهَؤُلاءِ
من أهل المعصية
مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ
أي : من رزق ربك . وقال الحسن :
كُلًّا نُمِدُّ
أي : نعطي من الدنيا البر والفاجر
وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً
أي :
محبوسا عن البر والفاجر في الدنيا .
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ
في الدنيا بالمال
وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ
يقول :
ولفضائل الآخرة أرفع درجات مما فضلوا في الدنيا
وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
أي : وأرفع في الثواب .
وقال الضحاك :
وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ
في الجنة ، فالأعلى يرى فضله على من هو أسفل منه ، والأسفل لا يرى أن فوقه أحدا . وقال مقاتل : معناه ، فضل المؤمنين في الآخرة على الكفار أكبر من فضل الكفار على المؤمنين في المال في الدنيا ، وقال بعض الحكماء : إذا أردت هذه الدرجات وهذا التفضيل فاستعمل هذه الخصال التي ذكر في هذه الآيات إلى قوله
عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً
. وروي عن ابن عباس أنه قال : « هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى حيث كتب اللّه له فيها ، أنزلها اللّه تعالى على نبيه محمد عليه السلام وهي كلها في التوحيد وهي في الكتب كلها موجودة لم تنسخ قط » وهو قوله تعالى :
لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً
أي : ويذمك الناس بفعلك
مَخْذُولًا
ويخذلك الذي تعبده ، فتبقى في النار يذمك اللّه ويذمك الناس وتذم نفسك
مَخْذُولًا
أي : يخذلك معبودك ولا ينصرك .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 23 إلى 24 ]
وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً ( 23 ) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ( 24 )
قوله عز وجل :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
أي : أمر ربك أن لا تطيعوا أحدا إلا إياه ، يعني : إلا اللّه تعالى ، فلا تطيعوا أحدا في المعصية وتطيعوا اللّه في الطاعة ، ويقال لا توحّدوا إلا اللّه .
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
أي : أمر بالإحسان إلى الوالدين برا بهما وعطفا عليهما
إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ
قرأ حمزة والكسائي إمّا يبلغان بلفظ التثنية لأنه سبق ذكر الوالدين ،