قوله عز وجل :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
أي : ألهمها إلهاما مثل قوله
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها
[ الزلزلة : 5 ]
أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً
أي : مسكنا
وَمِنَ الشَّجَرِ
يعني : أن اتخذي من الجبال ومن الشجر مسكنا
وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
. قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر :
يَعْرِشُونَ
بضم الراء ، والباقون بالكسر ، ومعناهما واحد . أي : ومما يبنون من سقوف البيت مسكنا
ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
أي من ألوان الثمرات ، أي : ألهمها بأكل الثمرات ،
فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا
أي : ادخلي الطريق الذي يسهل عليك . ويقال : خذي طرق ربك مذللا ، أي مسخرا لك . وقال مقاتل :
فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ
يعني : ادخلي طرق ربك في الجبال ، وفي خلال الشجر
ذُلُلًا
لأنّ اللّه تعالى ذلل لها طرقها حيثما توجهت .
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها
أي : من بطون النحل ، من قبل أفواهها مثل اللعاب
شَرابٌ
أي : العسل
مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ
أي العسل : أبيض ، وأصفر ، وأحمر . ويقال : يخرج من أفواه الشبان من النحل الأبيض ، ومن الكهول الأصفر ، ومن الشيوخ الأحمر
فِيهِ
أي : في العسل
شِفاءٌ لِلنَّاسِ
.
روى أبو المتوكل الناجي ، عن أبي سعيد الخدري . قال : جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : إن أخي استطلق بطنه . فقال له : « اسقه عسلا » . فسقاه ثم جاء فقال : سقيته فلم يزده إلا استطلاقا .
فقال له : « اسقه عسلا » ، فسقاه ثم جاءه فقال : سقيته فلم يزده إلّا استطلاقا . فقال له : « اسقه عسلا . صدق اللّه وكذب بطن أخيك » . فسقاه فبرئ .
قال الفقيه أبو الليث : إنما يكون العسل شفاء إذا عرف الإنسان مقداره ، ويعرف لأي داء هو . فإذا لم يعرف مقداره ، ولم يعرف موضعه ، فربما يكون فيه ضرر ، كما أن اللّه تعالى جعل الماء حياة كل شيء ، وربما يكون الماء سببا للهلاك . وقال السدي : العسل شفاء الأوجاع التي يكون شفاؤها فيه . وقال مجاهد :
فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
أي : في القرآن بيان للناس من الضلالة .
وروى أبو الأحوص ، عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال : « العسل شفاء من كل داء ، والقرآن شفاء لما في الصدور » . وروى الأسود عن ابن مسعود أنه قال : « عليكم بالشفاءين القرآن ، والعسل » .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً
أي : فيما ذكر من أمر النحل لعلامة لوحدانيتي
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
يعني : أن معبودهم لم يغنهم من شيء .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 70 إلى 71 ]
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 70 ) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 71 )
ثم قال عز وجل :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ
أي : يقبض أرواحكم
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ
أي : إلى أسفل العمر ، وهو الهرم
لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً
أي : صار بحال لا يعلم ما علم من قبل . ويقال : لكيلا يعقل من بعد عقله الأول شيئا . ويقال : إن الهرم أسوأ