ثلاث فرق : فرقة يعبدون اللّه تعالى خالصا ، وفرقة يعبدون اللّه تعالى رياء ، وفرقة يعبدون اللّه تعالى ليصيبوا بها الدّنيا . فيقول اللّه تعالى للّذي كان يعبد اللّه للدّنيا : وماذا أردت بعبادتك ؟
فيقول : الدّنيا . فيقول اللّه عزّ وجلّ : لا جرم ، ولا ينفعك ما جمعت ، ولا ترجع إليه . ويقول :
انطلقوا به إلى النّار ، ويقول للّذي كان يعبد اللّه رياء ، ما ذا أردت بعبادتك ؟ فيقول : الرّياء ، فيقول اللّه تعالى : انطلقوا به إلى النّار ، ويقول للّذي كان يعبد اللّه تعالى خالصا : ماذا أردت بعبادتك ؟
فيقول أنت أعلم به منّي ، كنت أعبدك لوجهك وذاتك . قال : صدق عبدي ، انطلقوا به إلى الجنّة » « 1 » .
[ سورة هود ( 11 ) : آية 17 ]
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ( 17 )
ثم قال تعالى :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
يعني : على بيان من ربه ، وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ
يقول : يقرأ جبريل هذا القرآن على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو
شاهِدٌ مِنْهُ
يعني : من اللّه تعالى ، وهذا قول ابن عباس ، وأبي العالية ، ومجاهد ، وقتادة ، وإبراهيم النخعي . ويقال :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
يعني : أن اللّه بيّن أمره ونبوته بدلائل أعطاها محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ،
وَيَتْلُوهُ
يعني : يقرأ القرآن جبريل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
شاهِدٌ مِنْهُ
، أي : ملك أمين من اللّه تعالى ، وهو جبريل . وقال شهر بن حوشب : « القرآن شاهد من اللّه تعالى » ، ومعناه : يتلو القرآن ، وهو شاهد من اللّه تعالى . وقال الحسن :
وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ
يعني : لسان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم .
وقال قتادة : لسانه شاهد منه . وكذلك قال عكرمة .
قال الفقيه : حدثنا الخليل بن أحمد ، قال : حدثنا السراج ، قال : حدثنا أبو إسماعيل ، قال : حدثنا صفوان بن صالح ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : حدثنا الخليل ، عن قتادة ، عن عروة ، عن محمد بن علي ، قال : قلت لعليّ : إنّ الناس يزعمون في قوله تعالى :
وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ
أنك أنت التالي ، قال : « وددت أني أنا هو ، ولكنه لسان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم » . ويقال :
الشّاهد القرآن ،
وَيَتْلُوهُ
يعني : بعده . ويقال :
يَتْلُوهُ
يعني : يتبعه ، كقوله :
وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها
[ الشمس : 2 ] . قال القتبي : هذا كلام على الاختصار ومعناه : أفمن كان على بينة من ربه ، ويتلوه شاهد منه ، كالذي يريد الحياة الدنيا وزينتها ؟ فاكتفى من الجواب بما تقدم ، كقوله :
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً
[ الزمر : 9 ] يعني : كمن هو بخلاف ذلك .
ثم قال تعالى :
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى
يعني : جبريل قرأ التوراة على موسى عليه
هامش
( 1 ) عزاه السيوطي : 4 / 407 - 408 إلى البيهقي في الشعب .