تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
سادس ربيع الآخر . وكان ليلتئذ صلّى العشاء ، وجلس مع مدرّس مدرسته ، وتحدّث معه ما شاء ، وطالت المسامرة وانفصل إلى منزله صحيح البدن ، وقال لغلامه : رتّب حوائج الحمّام ، وعرّفني حتّى أقضي منّي المنام . فوافاه سحرا للإعلام ، فما اكترث بصوت الغلام ، ولم يدر أنّ كلم الحمام حمى الكلام ، وأنّ وثوقه بطهارة الكوثر أغناه عن الحمّام ، فبادر إليه ولده فألفاه وهو ساكت باهت ، فلبث يومه لا يسمع له إلّا أنين خفيّ ، ثمّ قضى سعيدا ولم يبق في حياته عملا صالحا إلّا وقدّمه ، ولا عهدا في الجنّة إلّا أحكمه ، ولا عقدا في البرّ إلا أبرمه ، فإنّ صنائعه في الرّقاب ، وأوقافه على سبل الخيرات متجاوزة الحساب ، لا سيّما أوقافه لفكاك أسرى المسلمين إلى يوم الحساب ، وأعان الطّلبة الشّافعيّة والمالكيّة عند داره بالمدرسة ، والأيتام بالكتّاب . وكان رحمه اللَّه للحقوق قاضيا ، وفي الحقائق ماضيا . سلطانه مطاع ، والسّلطان له مطيع ، ما افتتح الأقاليم إلّا بأقاليد آرائه ، ومقاليد غناه وعنائه ، وكنت من حسناته محسوبا ، وإلى مناسب آلائه منسوبا ، أعرف صناعته ، ويعرف صناعتي ، وأعارض بضاعته الثّمينة بمزجاة بضاعتي . وكانت كتابته كتائب النّصر ، وبراعته رائعة الدّهر ، ويراعته بارئة للبرّ ، وعبارته نافثة في عقد السّحر ، وبلاغته للدّولة مجمّلة ، وللمملكة مكمّلة ، وللعصر الصّلاحيّ على سائر الأعصار مفضّلة ، وهو الّذي نسخ أساليب القدماء بما أقدمه من الأساليب ، وأغربه من الإبداع ، وأبدعه من الغريب . وما ألفيته كرّر دعاء في مكاتبة ، ولا تردّد لفظا في مخاطبة . بل تأتي فصوله مبتكرة مبتدعة مبتدهة ، لا مفتكرة بالعرف والعرفان معرّفة لا نكرة . وكان الكرام في ظلّه يقيلون ، ومن عثرات النّوائب بفضله يستقيلون ، وبعزّ حمايته يعزّون . فإلى من بعده الوفادة ؟ وممّن الإفادة ؟ وفي من السّيادة ؟ ولمن السّعادة ؟ وقال ابن خلّكان [ ( 1 ) ] في ترجمته : وزر للسّلطان صلاح الدّين .
هامش
[ ( 1 ) ] في وفيات الأعيان 3 / 158 .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام — صفحة 246 | الذهبي