شرح
ولكن مقتضى الجمع العرفي بين الروايتين - بعد عدم ظهور المقبولة في اعتبار المعرفة بجميع الأحكام كما عرفت ، وعدم دلالة الحسنة على تقدير التبعيض أيضاً على كفاية مجرّد العلم ببعض الأحكام ولو واحداً أو اثنين ؛ لأنّه مضافاً إلى عدم المناسبة حينئذٍ بين الحكم والموضوع ، ضرورة أنّ مجرّد العلم بحكم واحد لا يوجب صلاحية العالم به لأن يصير حكماً ، يكون المتفاهم عرفاً من هذا التعبير بعد كون أحكامهم وعلومهم كثيرة جدّاً ، بل غير متناهية بالإضافة إلى غيرهم من البشر ، هو العلم بجملة معتدّ بها من أحكامهم كما في نظائر المقام ؛ فإنّه لا يقال لمن عنده درهم : إنّ عنده شيئاً من المال ، ولمن عرف مسألة واحدة من علم النحو مثلًا أنّه لا يكون خالياً عن هذا العلم - أن يقال :
إنّه لابدّ من أن يكون عنده مقدار من أحكامهم بحيث يصدق عليه عنوان « الراوي لحديثهم » و « الناظر في حلالهم وحرامهم » و « العارف بأحكامهم » فلا معارضة بين الروايتين أصلًا ، بل الجمع العرفي موجود ، ولكنّهما - كما مرّت الإشارة إليه مراراً - واردتان في باب القضاء الذي لا ملازمة بينه وبين باب الإفتاء ، مع عدم دلالتهما على اعتبار الاجتهاد المطلق الذي هو المدّعى في المقام .
وانقدح من جميع ما ذكرنا أنّه لم يثبت الردع عن السيرة العقلائيّة الجارية على عدم الفرق بين المطلق والمتجزّئ في مقام الرجوع . نعم ، لو كان هناك إجماع على عدم الجواز بالإضافة إلى المتجزّئ في محيط الشريعة ، وإلّا فمقتضى القاعدة والأدلّة عدم الفرق .
نعم ، لا يبعد أن يقال : إنّ المستفاد من مجموع الأدلّة المتقدّمة مع عدم خلوّ شيء منها عن المناقشة سنداً أو دلالة اعتبار الفقاهة والنظارة ومعرفة جملة معتدّ بها من الأحكام ، بحيث تنطبق عليه هذه العناوين بنظر العرف ، وأنّه