تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 558

مساهمون:

ص٥٥٨
والتضرع لديهم والتوسل بهم ، والرجاء منهم والدعاء بهم إليه تعالى ، وأراد الانصراف ، فحينئذ قد يتوهم أن تلك الإظهارات كانت عند مشاهدهم ، وفي حضورهم ومخاطبتهم لإظهار تلك الأمور لديهم ظاهرا دون الباطن وفي القلب ، فأراد الزائر حين انصرافه أن يبين أنّ تلك الأمور كانت إظهارا عن صميم القلب وعن الاعتقاد الجزمي وعن المحبة الحقيقية ، التي توجب ثبوتها له مطلقا سواء عند حضورهم وعند مشاهدهم أو في غيبتهم عن مشاهدهم . فقال : " سلام ولي لكم ، " أي محب معتقد بولايتكم وشئونها غير راغب عنكم ، أي غير معرض عنكم ، أي ليس انصرافي عنكم بدنا عن انصراف وإعراض عنكم قلبا ، بل قلبي معكم وإن انصرفت عنكم ، ولا مستبدل بكم غيركم ، أي أني أعتقد لكم تلك الأمور بحيث لا أريها لغيركم ، كما علمت أنه آتاهم اللَّه ما لم يؤت أحدا من العالمين ، فكيف يستبدل بهم غيرهم لعدم من هو في مرتبتهم ومقامهم كما تقدم ؟ ولا مؤثر عليكم أي لست أقدم غيركم عليكم ، ولا أرى للجاه والمال والأولاد وسائر الأمور من الأنفس والثمرات والمقامات الدنيوية في قبال منزلتكم لها مقاما بحيث أختارها عليكم ، بل أوثركم عليها وأقدمها لكم ، ولا منحرف عنكم ، أي لا أرجع عنكم وعن الاعتصام بكم والتوسل بكم والاعتقاد بولايتكم وإمامتكم ، وإن لم أعتقد بغيركم ، فإنه ربما يعرض الإنسان عنهم إلى غيرهم ، فيرى لغيرهم الفضل ، فهذا من مصاديق الإيثار عليهم بل لا أنحرف عنكم أبدا ، وليست زاهدا في قربكم . اعلم أن الزهد يعدى بفي فهو بمعنى الإعراض ، فإن الزهد في الشيء خلاف الرغبة فيه ، يقال : زهد فيه ، أي تركه وأعرض عنه ، وقد لا يعدى فيقال : فلان زاهد ، أي متصف بصفة الزهد بالمعنى المذكور ، فمعناه هنا أني لست بمعرض وتارك لقربكم بل أحب قربكم ، فليس انصرافي عنكم انصرافا عن زهد في قربكم ، بل
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 558 | الشيخ جواد بن عباس الكربلائي / محسن الأسدي