شرح
فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى ، فَصَبَرْتُ وَفِى الْعَيْنِ قَذى ، وَفِى الْحَلْقِ شَجاً ، أَرَى تُرَاثِى نَهْباً ، حَتَّى مَضَى الأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فُلَانٍ بَعْدَهُ - ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الأَعْشَى - :شَتَّانَ مَا يَوْمِى عَلَى كُورِهَا * وَيَوْمُ حَيَّانَ أَخِى جَابِرِفَيَا عَجَباً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِى حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ، لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا ، فَصَيَّرَهَا فِى حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ ، يَغْلُظُ كَلْمُهَا ، وَيَخْشُنُ مَسُّهَا ، وَيَكْثُرُ الْعِثَارُ فِيهَا ، وَالاعْتِذَارُ مِنْهَا ، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ ، وَإِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ ، فَمُنِىَ النَّاسُ لَعَمْرُ اللَّهِ بِخَبْطٍ وَشِمَاسٍ ، وَتَلَوُّنٍ وَاعْتِرَاضٍ ، فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ وَشِدَّةِ الْمِحْنَةِ ، حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِى جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّى أَحَدُهُمْ ، فَيَا لِلَّهِ وَلِلشُّورَى ، مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِىَّ مَعَ الأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ ، لَكِنِّى أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا ، وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا ، فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ ، وَمَالَ الآخَرُ لِصِهْرِهِ ، مَعَ هَنٍ وَهَنٍ ، إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَمُعْتَلَفِهِ ، وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خِضْمَةَ الإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ ، إِلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ ، وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلهُ ، وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ ، فَمَا رَاعَنِى إِلَّا وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَىَّ يَنْثَالُونَ عَلَىَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ، حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ ، وَشُقَّ عِطْفَاىَ ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِى كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ ، فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ ، وَمَرَقَتْ أُخْرَى ، وَقَسَطَ آخَرُونَ ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ :تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ« 1 » ، بَلى وَاللَّهِ
هامش
( 1 ) سورة القصص : 83 .