لا تعرف إلا بأسبابها ، أي أنه ما يفرض سببا لشيء لا به ، وأن يعرف ذاتها وأنها أي هذه الذوات ما سببها ، فلو قيل : إن الفعل سببه العبد واختياره فلا بد من معرفة ذات هذا السبب ، ومعرفة أسباب هذه الذات للسبب ، فإذا علمت أنّ الفعل من حيث استناده إلى وجه الرب ففاعله هو تعالى ، ومن حيث استناده إلى وجهة النفس ففاعله ، وإن كانت النفس والمهية ، إلا أنه إذا عرف أن هذه الذات ذات النفس تكون مذوته الوجود إلى الوجه إلى الرب ، فحينئذ لا تحقق لها في قبال الوجود ، بل هي فانية فيه ، فتأمل تعرف .
فتحصل أن الأمر بين الأمرين هو فعل بسيط محض ، بمعنى أنه تسخير محض في كونه اختيارا محضا ، واختيار بحت في كونه تسخيرا محضا .
وبعبارة أخرى : الفعل الواقع في الخارج أمر بسيط وحداني ، إلا أنه بلحاظ الوجود الذي هو جهة الرب فهو تسخير محض ليس للعبد فيه شيء ، وبلحاظ استناده إلى العبد واختياره فهو اختيار محض ، وكل من التسخير والاختيار مخلوط في هذا الفعل الوحداني بالنحو البسيط لا المركب ، فالفعل فعل واحد إلا أنه بلحاظ فاعله الحقيقي وفاعله القابلي يلاحظ التسخير والاختيار ، إلا أنّ اختياره تحت تسخير المولى ، ولا ينافي هذا في كونه اختياريا ، وقد حقق في محلَّه أنّ الإيجاب بالاختيار لا ينافي الاختيار ، أي أن تسخيره تعالى له لا ينافي اختياره ، إذ في هذه الصورة يصدق أن العبد شاء وفعل ، والإيجاب المنافي للاختيار هو إيجاب الفواعل بالطبع كإيجاب النار للإحراق مثلا .
والحاصل : أن المعتبر في الفعل الاختياري أن يكون مسبوقا بقدرة العبد واختياره ، ويكون لهما مدخلية في وجود الفعل من العبد . وأما كون قدرته واختياره بقدرته واختياره فلا ، والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، لا الذي إن شاء شاء وإن لم يشأ لم يشأ ، أي إن شاء شاء مستقلا بدون قاهرية مشية عليه ، وإن لم يشأ لم يشأ ، أي لم يتحقق مطلقا بحيث لا يكون هناك قادر على إيجاد ما لم يشأه هذا
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 570
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٥٧٠