صحّة العزم على تركهما والاستحياء والأنف منهما ، ثم أخذ النفس بتذكّر ذلك في أوقات العبث والولع ، حتى يكون ذلك العبث والولع نفسه عنده بمنزلة الرتيمة المذكّرة « 3 » « * » . وقد حكى عن بعض العقلاء من الملوك أنه كان يولع ويعبث بشئ من جسده - أحسبه لحيته - فطال ذلك منه وكثر قول من يقرب إليه له « 4 » فيه ، فكأنّ السهو والغفلة يأبيان إلّا ردّه إليه . حتى قال له بعض وزرائه ذات يوم يا أيّها الملك جرّد لهذا الأمر عزمة « 6 » من عزمات أولى العقل . فاحمرّ الملك واستشاط غضبا ، ثم لم ير عائدا إلى شئ من ذلك البتّة . فهذا الرجل أثارت نفسه الناطقة نفسه الغضبيّة بالحميّة والأنف « 7 » « 8 » وصحّ العزم وتأكّد في النفس الناطقة حتى أثّر فيها أثرا قويّا صار مذكّرا به ومنبّها له « 9 » عليه متى غفل عنه .
ولعمري إنّ النفس الغضبيّة إنما جعلت لتستعين بها « 10 » الناطقة على الشهوانيّة متى كانت شديدة النزاع قويّة المجاذبة « 11 » عسرة الانقياد . وإنه يحقّ على العاقل أن يغضب ويدخله « 12 » الأنف والحميّة متى رأى الشهوة تروم قهره وغلبته على رأيه وعقله ، حتى يذلّها ويقمعها ويقفها « 13 » على الكره والصغار عند حكم العقل ويجبرها
هامش
( 3 ) المذكورة ق ف - من الملوك : سقط ل -
( 4 ) له : سقط ك ق ف -
( 6 ) عزيمة سقط ق ف -
( 7 - 8 ) أرادت نفسه الغضبية الحمية والانفة ق ف - وصحة ل ق ف -
( 9 ) له ك : سقط ل ق ف - متى غفل عنه : سقط ق ف -
( 10 ) بها النفس الناطقة على أن الشهوانية ق ف -
( 11 ) قوية المنازعة ق ف -
( 12 ) ويداخله ق ف -
( 13 ) ويوقفها ق ف
( * ) ورد على هامش نسخة ل ما نصه : الرتيمة خيط يعقد في الحنصر يذكر به الأمر ، قال الشاعرإذا لم تكن حاجاتنا في صدورنا * لإخواننا لم يغن عقد الرتائمخامدة ناره غير قائمة آثاره . ولو كان يصحّ منها الحمية والانفة من الأمور المضرّة بذاتها كما يصح منها ذلك فيما يتعلق بفساد جسمها وبطلان مرادها في نيل اللذّات لكانت لا تناسب البهائم ولا تشابه السكارى . فأما وحميتها وتعصبها وتشددها كلها لا يكون إلّا فيما يفيدها نيل الهوى فهي لا تقلع مما جرت به عادتها في مثل ذلك إلّا بمعاونة أشياء هي غيرها وتفيق من سكرتها كما يفيق السكران فيستقبح ما كان يستحسنه في حال سكره