شرح
ثمّ إن الاجتهاد في كلامها عليها السلام لا يراد به الاجتهاد المعروف عند الفقهاء - المصطلح عليه بالوضع التعينى لاحقا - فإن أمير المؤمنين علياً ( عليه الصلاة والسلام ) عالم بكل الأحكام لا عن الاجتهاد ، بل بإلهام من الله تعالى وعطاء من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعبر النكت في القلب والنقر في الأسماع ورؤية عمود النور ، وشبه ذلك مما تجد تفصيله في الأخبار ، بل المراد بالاجتهاد بذل غاية الجهد بالنسبة للأحكام الإلهية وأوامره « 1 » .
ويمكن أن يقال في الجملتين ، غير هذا الذي ذكرناه ، إذ من المحتمل أن يراد ب ( مكدودا . . . ) الإشارة إلى ما توجه نحوه عليه السلام من ضغوط ومتاعب وأذى ، وب ( مجتهدا . . ) ما حمّل نفسه من جهد وعناء في سبيل الله ، وهما كاللازم والملزوم « 2 » .
وبعبارة أخرى : فإن ( المتنمر في ذات الله ) - كما وصف عليه السلام به - يواجه صعوبتين :
الأولى : نابعة من صميم طبيعة الاجتهاد والتنمر كحرمان المرء نفسه من شتى اللذائذ الحسية كالنوم والمأكل والملبس والمركب الفارة وغير ذلك مما يقتضيه الاجتهاد والجهاد .
والثانية : نابعة من طبيعة رد فعل المجتمع تجاه ذلك المتنمر المجتهد ، حيث
هامش
( 1 ) ربما يكون المراد من ( بالنسبة للأحكام الإلهية ) : تعليما وتوضيحا ودفعا للشبهات ، أو تفكيرا وتدبرا باعتباره ( عليه السلام ) بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أجلى مصداق للعمل بالآيات الداعية للتفكير والتدبر .
( 2 ) أي انهما وجهان لعملة واحدة - حسب التعبير المستحدث - وتوضيحه : إن لازم ( الاجتهاد في أمر الله ) هو شدة التعب والنصب فلأنه عليه السلام كان مجتهداً في أمر الله أضحى مكدودا متعبا وتوجهت نحوه الضغوط .