عليهما ، فبلغه ذلك فكتب إليه أما بعد : ( فإن الذي يراك بالنهار يراك بالليل ، وهذا أخر كتاب أكتبه إليك . قال محمد : فقرأته على سحنون فأعجبه ؟ وقال : ما أسمجه بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيه ، فيسأل عنه فيقال : إنه عند الأمير ) .
وقال سحنون : ( إذا أتى الرجل القاضي في مجلسة ثلاثة أيام متوالية بلا حاجة فينبغي أن لا تقبل شهادته ) . قال أبو عمر : ( معنى هذا الباب كله في السلطان الجائر الفاسق ، فأما العدل منهم ، الفاضل ، فمداخلته ورؤيته وعونه على الصلاح من أفضل أعمال البر ، ألا ترى أن عمر بن عبد العزيز إنما كان يصحبه جلة العلماء مثل عروة بن الزبير وطبقته ، وابن شهاب وطبقته ، وقد كان ابن شهاب يدخل إلى السلطان عبد الملك وبنيه بعده . وكان ممن يدخل إلى السلطان الشعبي وقبيصة وابن ذؤيب والحسن وأبو الزناد ومالك والأوزاعي والشافعي رضي اللّه عنهم ، وجماعة يطول ذكرهم ، وإذا حضر العالم عند السلطان غبا فيما فيه الحاجة إليه وقال خيرا ، ونطق بعلم كان حسنا ، وكان في ذلك رضوان اللّه إلى يوم يلقاه ، ولكنها مجالس الفتنة فيها أغلب ، والسلامة منها ترك ما فيها ، وحسبك ما تقدم في هذا الباب من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من أنكر فقد برئ ، ولكن من رضي وتابع ، فأبعده اللّه عز وجل » .
وذكر الزبير بن بكار قال : حدثني يحيى بن عبد الملك الهديري ، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن هشام قال : ( العلم لواحد من ثلاثة : لذي حسب يزينه به ، أو لذي دين يسوس به دينه ، أو لمن يختلط بالسلطان ويدخل إليه يتحفه بعلمه وينفعه به ) . قال الزبير : ولا أعلم أحدا جمع هذه الخلال إلا عروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز ، فكلاهما جمع الحسب والدين ومخالطة السلطان .
قال أبو عمر : وقال صلى اللّه عليه وسلم : « سبعة في ظل اللّه يوم القيامة ، يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل » « 1 » . فبدأ به وقال : ( المقسطون على منابر من نور يوم القيامة ) « 2 » .
هامش
( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 660 ) ومسلم ( 1031 ) من حديث أبي هريرة .
( 2 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 1827 ) من حديث ابن عمرو - رضي اللّه عنهما .