وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ
أي : وليمتحن ما في استعدادكم من الصدق والإخلاص واليقين والصبر والتوكل والتجرّد وجميع الأخلاق والمقامات ، ويخرجها من القوّة إلى الفعل
وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ
أي : وليخلص ما برز منها من مكمن الصدر إلى مخزون القلب من عثرات وساوس الشيطان ودناءة الأحوال وخواطر النفس ، فعل ذلك فإن البلاء سوط من سياط اللّه يسوق به عباده إليه بتصفيتهم عن صفات نفوسهم وإظهار ما فيهم من الكمالات ، وانقطاعهم عنده من الخلق ومن النفس إلى الحق . ولهذا كان متوكلا بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل .
وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيانا لفضله : « ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت »
، كأنه قال : ما صفى نبيّ مثل ما صفيت . ولقد أحسن من قال :
لله درّ النائبات فإنها * صدأ اللئام وصيقل الأحرار
إذ لا يظهر على كل منهم إلا ما في مكمن استعداده كما قيل : عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان .
اسْتَزَلَّهُمُ
أي : طلب منهم الزلّة ودعاهم إليها ، وهي زلّة التولي
بِبَعْضِ ما كَسَبُوا
من الذنوب . فإنّ الشيطان إنما يقدر على وسوسة الناس وإنفاذ أمره إذا كان له مجال بسبب أدنى ظلمة في القلب ، حادثة من ذنب ، وحركة من النفس كما قيل : الذنب بعد الذنب عقوبة للذنب الأول .
وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ
بالاعتذار والندم
لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ
أي : يجعل ذلك القول والاعتقاد ضيقا وضنكا وغمّا في قلوبهم لرؤيتهم القتل والموت مسببا عن فعل ، ولو كانوا موقنين موحدين لرأوا أنه من اللّه ، فكانوا منشرحي الصدور
وَاللَّهُ يُحْيِي
من يشاء في السفر والجهاد وغيره
وَيُمِيتُ
من يشاء في الحضر وغيره
لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ
أي : لنعيمكم الأخروي من جنّة الأفعال وجنّة الصفات خير لكم من الدنيوي لكونكم عاملين للآخرة و
لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ
لمكان توحيدكم ، فحالكم فيما بعد الموت أحسن من حالكم قبله .
[ 159 - 160 ]
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 159 إلى 160 ]
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( 159 ) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 160 )
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ
أي : فباتصافك برحمة رحيمية ، أي : رحمة تامّة ، كاملة ، وافرة ، هي صفة من جملة صفات اللّه ، تابعة لوجودك الموهوب الإلهيّ لا الوجود البشريّ
لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا
موصوفا بصفات النفس التي منها الفظاظة والغلظة
لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
لأنّ الرحمة الإلهية الموجبة لمحبتهم إياك تجمعهم
فَاعْفُ عَنْهُمْ
فيما يتعلق بك من جنايتهم