تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
كالجوز ، ويقول : ادعوا على عمكم الكذاب . وفي هذا المعنى قال الشاعر :
وإذا ما خلا الجبان بأرض * طلب الطعن وحده والنزالا
فلا يلتفت بحال إلا إذا صار مقاما ، ولا يعتبر مقاما إلا إذا امتحن في مواطنه ، فإذا خلص من الامتحان فقد صح وهذا أحد فوائد مداولة الأيام بينهم ليتمرّنوا بالموت ويتقوّى يقينهم ويتوفر صبرهم ويتحقق مقامهم بالمشاهدة كما قال :
فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ
من قتل إخوانكم بين أيديكم
وَأَنْتُمْ
تشاهدون ذلك . وفيه توبيخ لهم على أنّ يقينهم كان حالا لا مقاما ، ففشلوا في الموطن . [ 144 - 151 ]

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 144 إلى 151 ]

وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ( 144 ) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ( 145 ) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ( 146 ) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 147 ) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 148 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ( 149 ) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ( 150 ) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ( 151 )
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ
أي : إنه رسول بشر ، سيموت أو يقتل كحال الأنبياء قبله ، فمن كان على يقين من دينه فبصيرة من ربّه لا يرتد بموت الرسول وقتله ، ولا يفتر عما كان عليه ، لأنه يجاهد لربّه لا للرسول كأصحاب الأنبياء السالفين . وكما قال أنس عم أنس بن مالك يوم أحد حين أرجف بقتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وشاع الخبر ، وانهزم المسلمون ، وبلغ إليه تقاول بعضهم : ليت فلانا يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان . وقول المنافقين : لو كان نبيّا ما قتل ! ، يا قوم ، إن كان محمد قد قتل فإنّ ربّ محمد حيّ لا يموت ! ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول اللّه ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه ، وموتوا على ما مات عليه . ثم قال : اللهمّ إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء ، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء . ثم شدّ بسيفه وقاتل حتى قتل .
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً
إنما ضرّ نفسه بنفاقه وضعف يقينه
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
لنعمة الإسلام ، كأنس بن النضر وأضرابه من الموقنين
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا
فمن كان موقنا شاهد هذا المعنى ، فكان من أشجع