الأخذ بالآخر ، لأن ثبوت الحجّية المقيّدة في كلّ من الطرفين لا محذور فيه وإنما المحذور في الحجّيتين المطلقتين ، فلا موجب لرفع اليد عن أصل دليل الحجّية بالنسبة إلى كلّ منهما في الجملة ، وإنما يرفع اليد عن إطلاق الحجّية فيهما . وهذه الحالة أيضاً باطلة ؛ لاستلزامها اتّصاف كلّ منهما بالحجّية عند عدم الأخذ بهما معاً ، فيعود محذور التعبّد بالمتعارضين .
النحو الرابع : افتراض حجّية كلّ منهما مقيّدة بالأخذ به لا بترك الآخر ؛ دفعاً للمحذور المتّجه على النحو السابق . وهذا باطل أيضاً ، إذ لازمه أن لا يكون شيءٌ منهما حجّةً في فرض عدم الأخذ بهما ، فيكون المكلّف مطلق العنان بالنسبة إلى الواقع ويرجع فيه إلى الأصول اللفظية أو العملية ، وهذا ما لا يلتزم به القائل بالتخيير ، ولا يقاس المقام على التخيير الثابت بالدليل ، والّذي ترجع روحه إلى الحجّية المقيّدة في كلّ منهما ، فإنه لو تمّت أخبار التخيير فهي بنفسها تدلّ - ولو بالالتزام العرفي - على لزوم الأخذ بأحدهما ، وأنه على تقدير تركهما يؤاخذ على مخالفة الواقع ، وهذا بخلاف المقام ؛ إذ لم يستفد بمقتضى القاعدة إلا التقييد في حجّية كلّ منهما وإشراطها بالأخذ به ، وأما وجوب الأخذ به فلم يدلّ عليه دليل « 1 » .
وممن ذهب إلى هذا القول كلٌّ من المحقّق الخراساني والمحقّق النائيني والمحقّق الأصفهاني والسيد الخوئي والشهيد الصدر ، وإليك كلماتهم في المقام :
قال المحقّق الخراساني : ( التعارض وإن كان لا يوجب إلا سقوط أحد المتعارضين عن الحجّية رأساً ، حيث لا يوجب إلا العلم بكذب أحدهما ، فلا يكون هناك مانع عن حجّية الآخر ، إلا أنه حيث كان بلا تعيين ولا عنوان واقعاً - فإنه لم يعلم كذبه إلا كذلك ، واحتمال كون كلّ منهما كاذباً - لم يكن واحد
هامش
( 1 ) انظر مصباح الأصول : ج 366 .