وبهذا يتّضح أن دليل الاستصحاب حاكم على دليل البراءة .
إن قلت : لِمَ لا نفترض العكس ، أي نقول : إن دليل البراءة هو الحاكم على دليل الاستصحاب ، وليس الحاكم هو دليل الاستصحاب ؟
والجواب : إن هذا غير ممكن ؛ لأنّ دليل البراءة لا يثبت عدم علم المكلّف بالتكليف المشكوك ليكون ناظراً إلى ما يثبته الاستصحاب من الحكم ببقاء العلم السابق تعبّداً ؛ لأنّ دليل البراءة ليس المجعول فيه الطريقية والعلمية ، كي يكون ذلك موجباً تعبّداً لرفع الشكّ المأخوذ في موضوع الاستصحاب ، بل المأخوذ في دليل البراءة هو تحديد الوظيفة العملية فقط ، وهذا بخلاف دليل الاستصحاب ، فإن مفاده جعل العلمية والطريقية ، ولذا يكون رافعاً لموضوع البراءة .
مناقشة السيد الشهيد الوجه الأوّل
إن حكومة دليل الاستصحاب على دليل البراءة غير تامّ ؛ لما تقدّم من عدم صحّة حكومة البراءة على الاستصحاب ، لأنّ المستفاد من دليل حجّية البراءة هو تنزيلها منزلة القطع الطريقي فقط ، أي المنجّزية والمعذّرية ، ومردّ ذلك إلى قصور دليل الأمارة ، الذي هو السيرة العقلائية في تنزيلها منزلة القطع الموضوعي ، وهو عين السبب في عدم حكومة الاستصحاب على بقية الأصول العملية ، فإن دليل الاستصحاب وهو ( لا تنقض اليقين بالشك ) مفاده جعل الاستصحاب منجّزاً ومعذّراً ، أي تنزيل الاستصحاب منزلة القطع الطريقي فقط ، دون القطع الموضوعي ، وبهذا لا يمكن أن يكون الاستصحاب حاكماً على البراءة وبقية الأصول العملية وناظراً إلى موضوعاتها .
والوجه الصحيح في تخريج تقدّم الاستصحاب على بقية الأصول هو أن دليل الاستصحاب أقوى ظهوراً في الشمول لمادّة اجتماعه من بقية الأصول ، والمقصود من مادّة الاجتماع هو حالة الشكّ البدوي المسبوق باليقين ، فإنّ كلًا