وجداناً ، وبهذا يحصلُ التعارضُ بين الدليلين ، فلابدّ من تخريجٍ لتقديم الدليلِ الحاكمِ مع الاعترافِ بالتعارض .
الاتّجاهُ الثاني : وهو الصحيحُ ، وحاصله : أنّه بعدَ الاعترافِ بوجودِ التعارضِ بين الدليلين يُقدَّمُ الدليلُ الحاكمُ تطبيقاً لنظريةِ الجمعِ العرفيِّ المتقدّمة ، لأنّ الدليلَ الحاكمَ ناظرٌ إلى الدليلِ المحكوم ، وهذا النظرُ ظاهرٌ في أنّ المتكلّمَ قد أعدَّهُ لتفسيرِ كلامهِ الآخَرِ فيكونُ قرينةً ، ومع وجودِ القرينةِ لا يشملُ دليلُ الحجّيةِ ذا القرينة ، لأنّ دليلَ حجّيةِ الظهورِ مقيّدٌ بالظهور الذي لم يعدَّ المتكلّمُ قرينةً لتفسيره ، فبالدليلِ الناظر المعدِّ لذلك يرتفعُ موضوعُ حجّية الظهورِ في الدليلِ المحكوم ، سواءٌ كان الدليلُ الحاكمُ متّصلًا أو منفصلًا ، غير أنّه مع الاتّصال لا ينعقدُ ظهورٌ تصديقيٌّ في الدليلِ المحكومِ أصلًا ، وبهذا لا يوجدُ تعارضٌ بينَ الدليلين أساساً ، ومع الانفصال ينعقدُ ولكن لا يكونُ حجّةً ؛ لما عرفت .
ثمّ إنّ النظرَ الذي هو ملاكُ التقديم يَثبُتُ بأحدِ الوجوه التالية :
الأوّل : أن يكونَ مسوقاً مساقَ التفسيرِ بأن يقولَ : أعني بذلك الكلامِ كذا . ونحوِ ذلك .
الثاني : أن يكونَ مسوقاً مساقَ نفيِ موضوعِ الحكمِ في الدليلِ الآخر ، وحيثُ إنّه غيرُ منتفٍ حقيقةً فيكونُ هذا النفيُ ظاهراً في ادّعاءِ نفي الموضوعِ وناظراً إلى نفيِ الحكمِ حقيقةً .
الثالثُ : أن يكونَ التقبّلُ العرفيُّ لمفادِ الدليلِ الحاكمِ مبنيّاً على افتراض مدلولِ الدليلِ المحكومِ في رتبةٍ سابقة ، كما في ) لا ضررَ ( أو ) لا ينجِّسُ الماءَ ما لا نفسَ له ( بالنسبةِ إلى أدلّةِ الأحكامِ وأدلّةِ التنجيس .
وإذا قارنّا بين الاتّجاهين أمكننا أن ندركَ فارقَين أساسيَّين :
أحدُهما : أنَّ حكومةَ الدليلِ الحاكمِ على الاتجاهِ الثاني تتوقّفُ على
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 339
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص٣٣٩