نعم غاية ما يلزم تقييد الحرمة الواقعية بالعلم بخطابها ، وهذا لا محذور فيه نظير تقييد مسألة الجهر والإخفات بالعلم .
وكذلك لا يلزم محذور اللغوية ؛ إذ لعل الرواية بصدد بيان نكتة مهمّة وهي أن الملاكات الواقعية للحرمة لا تأثير لها ، إلا إذا تصدى الشارع لجعل خطاب على أساسها ، بمعنى أن صدور الخطاب من الشارع له دخل في تمامية ملاك الحرمة ، وبهذا يتّضح أن الإباحة هي إباحة واقعية ومن ثم لا يتمّ الاستدلال على البراءة الظاهرية .
الوجه الثاني : الورود يستبطن الوصول لا الصدور ؛ بقرينة أن الورود يستبطن الوفود على الشيء ، ولهذا يحتاج تعديته إلى حرف جر .
وهذا بخلاف الصدور الذي هو سنخ معنى يتقوم بالفاعل فقط ، من دون حاجة إلى افتراض مفعول ، وعلى هذا الأساس يكون معنى ورود النهي هو وصوله إلى المكلّف ، وبهذا يكون الاستدلال تامّاً .
مناقشة الوجه الثاني : إنا نسلّم أن الورود يستبطن وجود مورود عليه ، إلا أن كون المورود عليه هو المكلّف لا دليل عليه ؛ إذ يمكن أن يكون المورود عليه :
إمّا هو المتعلّق كشرب التتن مثلًا . . . وعليه فلا يكون الورود بمعنى الوصول ، وعلى هذا لا يتمّ الاستدلال .
وإمّا أن يكون الورود بمعنى الورود على المكلّف ، لكن لا على نحو الانحلال ، بحيث يكون كلّ مكلّف له ورود خاصّ به ، بل ورود على جنس المكلّفين أي : على الأمة على نحو العموم المجموعي ، وهذا يعني كون المراد بالورود هو الصدور لا الوصول ، ومعه لا يكون الحديث مفيداً لإثبات البراءة .
هذا تمام الكلام في المرحلة الأولى ، وتبيّن عدم تمامية الاستدلال بالرواية على البراءة .
أمّا المرحلة الثانية : وهي أن المراد من النهي في الرواية هل هو الواقعي أم
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 304
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص٣٠٤