ويمكن أن نمثّل بمثال آخر ، فنقول : إذا قام دليل على أنّ قطع الصلاة اختياراً حرام ، وافترضنا أنّه لا يوجد دليل على هذا الحكم إلّا الإجماع ، فإذا رأيت غريمي وأنا في الصلاة وكنت أعلم بأنّي لو لم أقطع الصلاة فلا أستطيع أن ألحق به ، ففي هذه الصورة هل يجوز قطع الصلاة ؟ قد يقول قائل : إنّ الإجماع يقول : لا يجوز قطع الصلاة حتّى في هذه الحالة ؛ لأنّ في الإجماع إطلاقاً ، ولكن هذا الكلام غير تامّ ؛ لأنّ الإجماع دليل لبّي يُقتصر فيه على القدر المتيقّن ، ولا نعلم أنّ الإجماع قائمٌ على مثل هذه الصورة أيضاً .
أمّا إذا كان الدليل الدالّ على حرمة قطع الصلاة اختياراً لفظياً وشككنا أنّه في صورة رؤية المدين في الصلاة هل يجوز قطع الصلاة ، ففي هذه الصورة نتمسّك بإطلاق تحريم قطع الصلاة وإن رأيت المدين في الصلاة .
ومن هنا يتّضح فرق مهمّ بين الإجماع الذي هو دليل لبّي وبين الأدلّة الشرعيّة اللفظية التي هي ليست لُبّية وإنّما هي لفظية ، ففي الدليل اللفظي يمكن التمسّك بالإطلاق ، أمّا في الإجماع فلا يمكن التمسّك بالإطلاق ، بل لابدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن لإجماع المجمعين ، فلو كان عندنا عشرة أفتوا في المسألة وحصل لنا الإجماع ولكن ثمانية منهم كانوا يفتون بالدائرة الأوسع واثنين منهم يفتيان بالدائرة الأضيق ، فالذي يثبت هو الأضيق ؛ لأنّه هو المجمع عليه .
قال الأستاذ الشهيد ( قدّس سرّه ) في تقريرات بحثه : « ثمّ إنّ الإجماع حينما ينعقد وتتوفّر فيه هذه الخصوصيّات ، يكون له معقد ، ويكون له إطلاق لا محالة ، وهذا المعقد له قدر متيقّن ، وله إطلاق يشمل ما زاد على القدر المتيقّن .
فمثلًا : إذا فرض انعقاد الإجماع على عدم جواز بيع النجس ، فهذا له قدر متيقّن ، ولكن بعض النجاسات خارجة عن هذا المتيقّن ، فيُتمسّك بإطلاق معقد الإجماع لإثبات المطلب فيه .
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 412
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٤١٢