الشرح
ذكر الأستاذ الشهيد في هذا المقطع الضابط للتواتر ، وهو الكثرة العددية ، وهذه الكثرة هي جوهر التواتر وضابطه ؛ قال ( قدّس سرّه ) في بحوثه : « إنّ الجانب العددي ، أي : الكثرة العددية للشهود ، هي جوهر التواتر ؛ باعتبار أنّ الكثرة العددية للشهود هي التي تصنع العلم الإجمالي الذي يكون له أطراف كثيرة ، وبقدر ما يزداد الشهود تزداد أطراف العلم الإجمالي وتتراكم القيم الاحتمالية في مصبّ القضية المتواترة . . . لكن هذه الكثرة ، ليس بالإمكان تحديدها في رقم معيّن ، كأن يقال : إذا شهد مائة ، أو أقلّ ، أو أكثر ، ونحو ذلك ، كما حاولوا في الكتب وضع تحديدات كمّية للتواتر حتّى سمّاها الشهيد الثاني بسخف القول ، فذهب بعضهم إلى أنّ عدد الشهود ينبغي أن يكون ثلاثمائة وثلاثة عشر شاهداً ناقلًا ، وذهب الآخر إلى أنّه ينبغي أن يكون عددهم اثني عشر شاهداً ناقلًا ، وذهب الآخر إلى أنّه ينبغي أن يكون عددهم سبعين شاهداً ناقلًا ، وذهب آخرون إلى أكثر من أربعة لئلّا تدخل البيّنة على الزنا في التواتر ، كما أنّ الأعداد السابقة كانت لاعتبارات ، والنكتة في جميعها أنّه بها تكون الحجّة ، كما أقيمت بها الحجّة على الكفّار من قبل الأنبياء ( عليهم السلام ) ، وأنت ترى أنّ هذه الأقوال لم تصنع ميزاناً معيّناً وإنّما هي من فنون الجزافات ، وما الذي أخرجه عن نظائره ممّا ذكر في القرآن . ثمّ قال ( قدّس سرّه ) : إنّ الميزان إنّما هو إفادة العلم ، فالعدد الذي يفيد العلم هو التواتر ، انتهى كلام الشهيد .
ونحن لا نوافق الشهيد الثاني على ذلك ؛ إذ حتّى ما قاله ( قدّس سرّه ) إنّما هو من باب تفسير الماء بالماء ، وكلّ ذلك ناتج عن عدم تحديد صورة صحيحة لجوهر كاشفية التواتر .
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 326
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٣٢٦