واحداً ، فإنّ أداة العموم مفادُها الاستيعابُ وإراءةُ الأفرادِ في مرحلةِ مدلولِ الخطاب ، وأمّا قرينةُ الحكمةِ فلا تفيدُ الاستيعابَ ، ولا تُري الأفرادَ في مرحلةِ مدلول الخطاب ، بل تفيدُ نفيَ الخصوصياتِ ولحاظَ الطبيعةِ مجرّدةً عنها ، فالتكثُّرُ ملحوظٌ في العموم ، بينَما الملحوظُ في الإطلاقِ ذاتُ الطبيعةِ ، وهذا يكفي لتصحيحِ الوضعِ حتّى لو لم ينتَهِ إلى نتيجةٍ عمليةٍ بالنسبةِ إلى الحكمِ الشرعيّ ، لأنَّ الفائدةَ المترقّبةَ مِن الوضعِ إنما هي إفادةُ المعاني المختلِفة ، وكذلك يكفي لتصحيحِ الاستعمالِ ، إذ قد يتعلّقُ غرضُ المستعملِ بإفادةِ التكثُّرِ بنفسِ مدلُولِ الخطاب .
البرهانُ الثاني : إنّ قرينةَ الحكمةِ ناظرةٌ - كما تقدَّمَ في بحثِ الإطلاق - إلى المدلولِ التصديقيِّ الجدّي ، فهي تُعيِّنُ المرادَ التصديقيَّ ، ولا تُساهِمُ في تكوينِ المدلولِ التصوُّريِّ ، وأداةُ العمومِ تدخُلُ في تكوينِ المدلول التصوُّريِّ للكلام ، فلو قيلَ بأنها موضوعةٌ لاستيعابِ المرادِ مِن المدخولِ الذي تُعيِّنُه قرينةُ الحكمة - وهو المدلولُ التصديقيّ - كان معنىَ ذلك ربطَ المدلولِ التصوُّريِّ للأداةِ بالمدلولِ التصديقيِّ لقرينةِ الحكمة ، وهذا واضحُ البطلانِ ؛ لأنَّ المدلولَ التصوُّريَّ لكلِّ جزءٍ مِن الكلامِ إنّما يرتبطُ بما يساويهِ مِن مدلولِ الأجزاءِ الأخرى ، أي بمدلولاتِها التصوُّريّةِ ، ولا شكَّ في أنَّ للأداةِ مدلولًا تصوُّرياً محفوظاً حتّى لو خلَا الكلامُ الذي وردَتْ فيهِ مِن المدلولِ التصديقيِّ نهائياً - كما في حالاتِ الهَزل - فكيف يُناطُ مدلولُها الوضعيّ بالمدلولِ التصديقيّ ؟
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 443
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٤٤٣