موضوع واحد وحكم واحد ، ولكن التكثر يكون في مرحلة المجعول ، وقد ميّزنا سابقاً بين الجعل والمجعول ، وعرفنا أن فعلية المجعول تابعة لفعلية موضوعه خارجاً ؛ فيتكثّر وجوب الإكرام المجعول في المثال تبعاً لتكثّر أفراد العالم في الخارج . والخطاب الشرعي مفاده ومدلوله التصديقي إنما هو الجعل ، أي الحكم على نحو القضية الحقيقية ، وليس ناظراً إلى فعلية المجعول ، وهذا يعني أن الشمولية وتكثر الحكم في موارد الإطلاق الشمولي إنما يكون في مرتبة غير المرتبة التي هي مفاد الدليل .
من هنا صحّ القول بأنّ السريان بمعنى تعدّد الحكم وتكثّره الثابت بقرينة الحكمة ليس من شؤون مدلول الكلام ، بل هو من شؤون عالم التحليل والمجعول » « 1 » .
إذا عرفت هذا ، نقول : إن التكثر في الحكم تارة يكون في مرحلة الجعل بحيث يلحظ المولى التكثر في مقام جعله ، وأخرى يكون التكثّر في الحكم في مرحلة المجعول ، وناشئاً من تطبيق العنوان على أفراده الخارجية . ويصطلح على الأوّل ب - ( العموم ) ويكون مدلولًا للفظ ، بينما يصطلح على الثاني ب - ( الإطلاق الشمولي ) ويكون مدلولًا لمقدّمات الحكمة .
قال الأستاذ الشهيد ( قدّس سرّه ) : « إنّ الاستيعاب تارة يفاد بحسب مرحلة المدلول اللفظي للدليل كما في ( أكرم كلَّ عالم ) ، بناء على وضع كلمة ( كلّ ) لغة للاستيعاب ، وأخرى يُفاد بحسب مرحلة التحليل العقلي ونقصد بها . . . مرحلة تطبيق العنوان على معنونه خارجاً ، كما في قولنا ( أكرم العالم ) ، حيث إنّ اللفظ لا يدلّ وضعاً ولغةً على أكثر من جعل الحكم على طبيعي العالم بحسب مرحلة الجعل إلا أنه بلحاظ الخارج ومرحلة المجعول يطبّق الحكم على كلّ مورد يتحقّق
هامش
( 1 ) دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة ، مصدر سابق : ص 91 .