التنبيهُ الرابعُ : أنّه في الحالاتِ التي يكونُ الإطلاقُ فيها شمولياً ، يسري الحكمُ إلى كلِّ الأفرادِ ، فيكون كلُّ فردٍ مِن الطبيعةِ المطلقةِ شمولياً ، موضوعاً لفردٍ مِن الحكم ، كما في الإطلاقِ الشموليِّ للعالِم في ( أكرمِ العالِم ) .
ولكنَّ هذا التكثُّرَ في الحكمِ والتكثُّرَ في موضوعِه ليس على مستوَى الجعلِ ولحاظِ المولى عند جعلِه للحكمِ بوجوبِ الإكرامِ على طبيعيِّ العالِم ، فإنَّ المولَى في مقامِ الجعلِ يلاحظُ طبيعيَّ العالِمِ ولا يلحظُ العلماءَ بما هم كثرةٌ ، فبنظرِه الجعليِّ ليس لديه إلّا موضوعٌ واحدٌ وحكمٌ واحد ، ولكنَّ التكثُّرَ يكونُ في مرحلةِ المجعولِ ، وقد ميّزنا سابقاً بينَ الجعلِ والمجعول ، وعرَفنا أنّ فعليةَ المجعولِ تابعةٌ لفعليةِ موضوعِه خارجاً ، فيتكثُّرُ وجوبُ الإكرامِ المجعولِ في المثالِ تبعاً لتكثُّرِ أفرادِ العالِم في الخارج .
والخطابُ الشرعيُّ مفادُه ومدلولُه التصديقيُّ ، إنما هو الجعلُ ، أي الحكمُ على نحوِ القضيةِ الحقيقيّةِ ، وليس ناظراً إلى فعليَّةِ المجعولِ ، وهذا يعني أنَّ الشموليةَ وتكثُّرَ الحكمِ في مواردِ الإطلاقِ الشموليِّ إنما يكونُ في مرتبةٍ غيرِ المرتبةِ التي هي مفادُ الدليل .
ومِن هنا صَحَّ القولُ بأنَّ السريانَ بمعنَى تعدُّدِ الحكمِ وتكثُّرهِ ، الثابتُ بقرينةِ الحكمةِ ليس من شؤونِ مدلولِ الكلام ، بل هو مِن شؤونِ عالَمِ التحليلِ والمجعول .
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 406
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٤٠٦