وأمَّا البحثُ الثاني : فإنْ كانَ القطعُ مأخوذاً موضوعاً لحكمٍ شرعيٍّ بوصفِه منجّزاً ومعذّراً ، فلا شكَّ في قيامِ الأمارةِ المعتبرةِ شرعاً مقامَه ، لأنّها تكتسبُ مِن دليلِ الحجيةِ صفةَ المنجّزيةِ والمعذّريةِ فتكونُ فرداً من الموضوع ، ويعتبرُ دليلُ الحجيةِ في هذهِ الحالةِ وارداً على دليلِ ذلك الحكم الشرعيِّ المرتبِ على القطعِ لأنه يحقّقُ مصداقاً حقيقياً لموضوعِه .
وأما إذا كانَ القطعُ مأخوذاً بما هو كاشفٌ تامٌّ ، فلا يكفي مجرّدُ اكتسابِ الأمارةَ صفةَ المنجّزيةِ والمعذّريةِ مِن دليل الحجيةِ لقيامِها مقامَ القطع الموضوعيِّ ، فلابدَّ من عنايةٍ إضافيةٍ في دليل الحجيةِ ، وقد التزمَ المحقّقُ النائينيُّقدس سره بوجودِ هذهِ العنايةِ بناءً على ما تبنّاهُ من مسلكِ جعل الطريقيةِ .
فهو يقولُ : إنَّ مفادَ دليل الحجيةِ جعلُ الأمارةِ علماً ، وبهذا يكونُ حاكماً على دليلِ الحكمِ الشرعيِّ المرتّبِ على القطعِ لأنه يوجِدُ فرداً جعلياً وتعبّدياً لموضوعِه فيسري حكمُه إليه .
غيرَ أنّك عرفتَ في بحثِ التعارض مِن الحلقةِ السابقةِ أنّ الدليلَ الحاكمَ إنّما يكونُ حاكماً إذا كانَ ناظراً إلى الدليلِ المحكومِ ، ودليلُ الحجيةِ لم يثبتْ كونُه ناظراً إلى أحكام القطع الموضوعيِّ ، وإنما المعلومُ فيه نظرُه إلى تنجيزِ الأحكامِ الواقعيةِ المشكوكةِ خاصّةً إذا كان دليلُ الحجيةِ للأمارةِ هو السيرةَ العقلائيةَ ، إذ لا انتشارَ للقطع الموضوعيِّ في حياةِ العقلاءِ لكي تكونَ سيرتُهم على حجّيةِ الأمارةِ ناظرةً إلى القطع الموضوعيِّ والطريقيِّ معاً .
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 328
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٣٢٨