ونضيفُ إلى ذلك : أنّ بالإمكان إقامةَ الدليلِ على عدمِ حجيةِ ما يُشكُّ في حجّيَّتِه بناءً على تصوُّرِنا المتقدّمِ للأحكام الظاهريةِ ، حيثُ مرَّ بنا أنه يقتضي التنافي بينها بوجوداتِها الواقعية ، وهذا يعني أنّ البراءةَ عنِ التكليفِ المشكوكِ وحجيةَ الخبرِ الدالِّ على ثبوتِه ، حكمان ظاهريّانِ متنافيان ، فالدليلُ الدالُّ على البراءةِ دالٌّ بالدلالةِ الالتزاميةِ على نفي الحجّيةِ المذكورةِ ، فيؤخذُ بذلك ما لم يقمْ دليلٌ أقوى على الحجّية .
وقد يقامُ الدليلُ على عدم حجّيةِ ما يُشكُّ في حجّيتهِ مِن الأماراتِ بما اشتملَ من الكتابِ الكريمِ على النهي عن العملِ بالظنِّ وغيرِ العلم ، فإنَّ كلَّ ظنٍّ يُشكُّ في حجّيته يشملُه إطلاقُ هذا النهي .
وقد اعترضَ المحقّقُ النائينيُّ قدّس اللهُ روحَه على ذلك ، بأنّ حجّيةَ الأمارةِ معناها جعلهُا علماً ، لأنه بنى على مسلكِ جعل الطريقيةِ ، فمعَ الشكِّ في الحجّيةِ يشكُّ في كونِها علماً ، فلا يمكنُ التمسّكُ بدليل النهيِ عن العمل بغير العلم حينئذٍ ، لأنّ موضوعَه غيرُ محرز .
وجوابُ هذا الاعتراض : أنّ النهيَ عن العملِ بالظنِّ ليس نهياً تحريمياً ، وإنما هو إرشادٌ إلى عدم حجّيتِه ، إذ من الواضح أنّ العملَ بالظنِّ ليس مِن المحرّماتِ النفسية ، وإنما محذورُه احتمالُ التورُّط في
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 194
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص١٩٤