فالحالة الأولى تدخل في نطاق الدوران بين الأقل والأكثر حقيقةً ، إذا أخذنا بالاعتبار مقدارَ ما يدخل في العهدة « 1 » ، وليست من الدوران بين المتباينين ؛ لأنَّ تباينالمفهومين إنما هو بالاجمال والتفصيل ، وهما من خصوصيات اللحاظ التي لا تدخل في العهدة ، وانما يدخل فيها ذات الملحوظ ، وهو مردّد بين الأقل - وهو الجنس - [ والأكثر ] - وهو النوع - .
وأما الحالة الثانية فالتباين فيها بين المفهومين ثابت في ذات الملحوظ ، لا في كيفية لحاظهما « 2 » ، ومن هنا كان الدوران فيها دوراناً بين المتباينين ؛ لأنَّ الداخل في العهدة إما هذا المفهوم أو ذاك ، وهذا يعني : أنَّ العلم الاجمالي ثابت « 3 » ، ولكن مع هذا تجري البراءة عن وجوب أخصِّ العنوانين صدقاً ، ولا تعارضها البراءة عن وجوب أعمِّهما « 4 » ؛ وفقاً للجواب الأخير من الأجوبة المتقدمة على البرهان الأول « 5 » في المسألة الأولى من مسائل الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين ؛ وذلك : أنَّ البراءة عن وجوب الأعمّ ليس لها دور معقول لكي تصلح للمعارضة ؛ لأنه إن أريدَ بها التأمين في حالة ترك الأعم مع الإتيان بالأخصّ ، فهو غير معقول ؛ لأنَّ نفي الأعم يتضمن نفي الأخص لا محالة ، وإنْ أُريد بها التأمين في حالة ترك الأعم بما يتضمنه من ترك الإخص ، فهذا مستحيل ؛ لأنَّ المخالفة القطعية ثابتة في هذه الحالة ، والأصل العملي إنّما يؤمِّن عن المخالفة الاحتمالية لا القطعية .
هامش
( 1 ) . لليقين بوجوب إطعام الحيوان ، سواء كان الثابت واقعاً هو إطعام الحيوان أم الانسان ، بخلاف تقيّده بخصوصيّة الناطقيّة ؛ فإنه غير معلوم ، فتجري عنه البراءة .
( 2 ) . أي : أنَّ الاختلاف بين المفهومين ثابت بلحاظ ذاتيهما ، لا بسبب اختلاف كيفية الملاحظة ؛ إذ أنَّ مفهوم الاكرام ليس جزءاً من مفهوم الإطعام ، ليكون مفهوم الاطعام مركباً من جزءَين لوحظا بنحو الاندماج .
( 3 ) . فيجب الاحتياط بإتيان الأخصّ ( الاطعام ) .
( 4 ) . وهو الاكرام كيفما اتفق .
( 5 ) . في صفحة 169 من هذا الجزء .