تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف ) — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
وركب حامد ، وهو عامل واسط إلى بستان له ، فرأى في طريقه دارا محترقه وشيخا يبكى وحوله نساء وصبيان على مثل حاله ، فسال عنه ، فقيل هذا رجل تاجر احترقت داره ، فافتقر ، وأفلت بنفسه وعياله على هذه الصورة ، فوجم ساعة ، ثم قال : فلان الوكيل ! فجاء ، فقال : أريد ان اندبك لامر ان عملته كما أريد ، فعلت بك وصنعت وذكر جميلا ، وان تجاوزت فيه رسمي فعلت بك وصنعت - وذكر قبيحا ، فقال : مر بأمرك ، فقال : ترى هذا الشيخ ، قد آلمني قلبي له ، وقد تنغصت على نزهتى بسببه ، وما تسمح نفسي بالتوجه إلى بستاني الا بعد ان تضمن لي انى إذا عدت العشية مع النزهه وجدت الشيخ في داره ، وهي كما كانت مبنية مجصصه ، نظيفة ، وفيها الفرش والصفر والمتاع من صنوفه وصنوف الآلات ، مثل ما كان فيها ، وعلى جميع عياله من كسوه الشتاء والصيف ، مثل ما كان لهم . قال الشيخ : فتقدم إلى الخادم ان يطلق ما أريده ، وإلى صاحب المعونة ان يقف معي ، ويحضر كل ما أريده من الصناع ، فتقدم حامد بذلك ، وكان الزمان صيفا ، فاحضر أصناف الروزجايه والبنائين ، فكانوا ينقضون بيتا ويطرحون فيه من يبنيه وقيل لصاحب الدار : اكتب جميع ما ذهب منك ، فكتب حتى المكنسه والمقدحة ، واحضر جميع ذلك . وصليت العصر ، وقد سقفت الدار كلها ، وجصصت وغلقت الأبواب ولم يبق الا البياض والطوابيق ، فانفذ إلى حامد وسأله التوقف في البستان ، والا يركب منه إلى أن يصلى العشاء الأخيرة ، وقد بيضت الدار وكنست وفرشت ، ولبس الشيخ وعياله الثياب ، ودفعت إليهم الصناديق والخزانة مملوءة بالأمتعة . واجتاز حامد ، والناس مجتمعون له كأنه نهار في يوم عيد ، فضجوا بالدعاء له ، فتقدم إلى الجهبذ بخمسه آلاف درهم ، يدفعها اليه ، يزيدها في بضاعته ، وسار حامد إلى داره . وفي هذه السنة ، توفى أبو إسحاق إبراهيم بن السرى الزجاج ، صاحب المعاني ، وكان يخرط الزجاج ، فاتى المبرد ، وكان يعلم لكل واحد بأجره على قدر معيشته ،