للرهبان في سياق المساجد ، وأنّها يُذكر فيها اسم اللَّه .
ولتنقيح الحال في الشواهد السابقة على مسألة حكم الترهّب ، والأوّل وهو قوله تعالى :
( ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ
« 1 » ، فهو وإن استفيد منه امتداح لين جانبهم ورقّة قلوبهم ، وقلّة حرصهم على الدنيا ، واهتمامهم بالعلم والعمل ، حيث أنّ عنوان القساوسة إشارة إلى الموقعيّة في العلم ، والرهبنة إشارة إلى قلّة حرصهم على الدنيا ، وفيض أعينهم من الدمع إلى رقّة قلوبهم ، وأنّهم لا يستكبرون إشارة إلى لين جانبهم ، إلّا أنّه قيّد باستجابتهم للإيمان برسول اللَّه ، وما أنزل إليه ، وذلك لا يستفاد منه امتداح الوسيلة التي ترهبنوا بها ، فمدح الغاية لا يستلزم التقرير بالطريق إليها .
كما أنّ تخطئة الطريق لا تستلزم تخطئة الغاية ، كما في قوله :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
« 2 » ) ، فكون بعض الجهات سلبيّة لا تنفي الجهات الإيجابيّة ولا العكس كذلك ، وهذا ممّا يصعب تفكيكه على الكثير ، والشنآن في اللغة البغض والعداوة ، فمجرّد كون الطرف الآخر عدوّ لا يستلزم التفريط بالموازين معه في الجوانب الأخرى ، وهذا نمط من التفكيك من الجهات والحيثيّات .
ونظير قوله تعالى :
( وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ )
« 3 » ، فمجرّد بدو الخيانة منهم لا يستلزم المبادرة بنكث العهد
هامش
( 1 ) المائدة 5 : 82 و 83 .
( 2 ) المائدة 5 : 8 .
( 3 ) الأنفال 8 : 58 .