معهم قبلهم ، بل لا بدّ من اعتماد طريق منصف بين الطرفين .
ونظير قوله عليه السلام : « لا تقتلوا الخوارج بعدي ، فليس مَن طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه ( يعني معاوية وأصحابه ) » ، فالخوارج رغم أنّهم من أصحاب النار ، بل وصفوا في الحديث النبويّ بأنّهم كلاب النار ، إلّاأنّه عليه السلام ميّز بين ما رفعوه من شعار وبين ما اعتقدوه من منهج خاطئ ومنحرف ، بخلاف معاوية وأصحابه ، وهذا التمييز بين الفرقتين رغم أنّ كلتيهما من فِرق الباطل ، يندرج في التفكيك بين الحيثيّات .
فكون الخوارج قد حبط عملهم وآلوا إلى الردى والهلاك ، لا ينافي تمييز ما فيهم من بعض جهات الصواب ، والموازنة بهذا المقدار من أصعب الصعاب التي تحتاج إلى علم وافر وصدر منشرح للإحاطة بجميع الحيثيّات ، ومراعاة الموازين المتعدّدة ، فلا جهة الصواب في الخوارج توجب انخداع الباحث عن تردّي محصّلة أعمالهم وسوء العاقبة ، ولا سوء عاقبتهم تحجب الباحث عن جهة الصواب في بعض الحيثيّات التي لديهم .
وروي : « أنّ إبليس مرّ بيحيى ومعه رغيف شعير ، فقال : أنت تزعم أنّك زاهد وقد ادّخرت رغيف شعير .
فقال يحيى : يا ملعون ، هو القوت .
فقال إبليس : إنّ أقلّ من القوت يكفي لمن يموت .
فأوحى اللَّه إليه : اعقل ما يقول لك » « 1 » .
فمع كون إبليس عدوّ مبين ولعين رجيم ، إلّاأنّ ذلك لا يمنع أخذ الحكمة ولو من الكافر ، فإنّ الحكمة ضالّة المؤمن بعد أن يعلم وجهها .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : 14 : 189 .