قال الشيخ : أشهد أن لا إله إلّااللَّه وحده لا شريك له ، وأنّ جدّك محمّداً رسولاللَّه صلى الله عليه و آله و سلم .
ثمّ ارتحلنا حتّى أتينا عبدالملك ، فنزل من سريره واستقبل أبي وقال : عرض لي مسألة لم يعرفها العلماء فأخبرني : إذا قتلت هذه الامّة إمامها المفروض طاعته عليهم أيّ عبرة يريهم اللَّه في ذلك اليوم ؟
قال أبي : إذا كان كذلك لا يرفعون حجراً إلّاويرون تحته دماً عبيطاً .
فقبّل عبدالملك رأس أبي وقال : صدقت ، إنّ في يوم قتل فيه أبوك عليّ بن أبي طالب عليه السلام « 1 » كان على باب أبي مروان حجر عظيم فأمر أن يرفعوه فرأينا تحته دماً عبيطاً يغلي .
وكان لي أيضاً حوض كبير في بستاني وكان حافّته حجارة سوداء فأمرت أن ترفع ويوضع مكانها حجارة بيض ، وكان في ذلك اليوم قتل الحسين عليه السلام فرأيت دماً عبيطاً يغلي تحتها ، أتقيم عندنا ولك من الكرامة ما تشاء أم ترجع ؟
قال أبي : بل أرجع إلى قبر جدّي .
فأذن له بالإنصراف ، فبعث قبل خروجنا بريداً يأمر أهل كلّ منزل أن لا يطعمونا شيئاً ولا يمكنونا من النزول في بلد حتّى نموت جوعاً ، فكلّما بلغنا منزلًا طردونا وفنى زادنا حتّى أتينا مدين شعيب ، وقد اغلق بابه فصعد أبي جبلًا هناك مطلّاً على البلد ، أو مكاناً مرتفعاً عليه ، فقرأ « 2 » :
وَ إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَ لا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَ يا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
« 3 » .
ثمّ رفع صوته وقال : واللَّه ، أنا بقيّة اللَّه .
فأخبروا الشيخ بقدومنا وأحوالنا ، فحملوه إلى أبي وكان لهم معهم من الطعام كثير ، فأحسن
هامش
( 1 ) - في المصدر : إنّ في يوم قتل فيه أبوك الحسين ( عليّ بن أبي طالب ) عليه السلام . ولعلّ الصحيح : عليّ بن أبيطالب عليه السلام .
( 2 ) - في المصدر : مطلًا على البلد فقرأ . . . إلى آخره . قلت : أطلّ عليه أي : أشرف .
( 3 ) - هود : 84 - 86 .