قالَ :
لَمّا رَجَعَ أميرُ المُؤمِنينَ عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ عليه السلام مِن قِتالِ أهلِ النَّهرَوانِ ، نَزَلَ بُراثا ، وكانَ بِها راهِبٌ في قَلّايَتِهِ « 1 » ، وكانَ اسمُهُ الحُبابَ . فَلَمّا سَمِعَ الرّاهِبُ الصَّيحَةَ وَالعَسكَرَ أشرَفَ مِن قَلّايَتِهِ إلَى الأَرضِ ، فَنَظَرَ إلى عَسكَرِ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام ، فَاستَفظَعَ ذلِكَ ونَزَلَ مُبادِراً ، قالَ : مَن هذا ، ومَن رَئيسُ هذَا العَسكَرِ ؟ فَقيلَ لَهُ : هذا أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام وقَد رَجَعَ مِن قِتالِ أهلِ النَّهرَوانِ .
فَجاءَ الحُبابُ مُبادِراً يَتَخَطَّى النّاسَ ، حَتّى وَقَفَ عَلى أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام فَقالَ :
السَّلامُ عَلَيكَ يا أميرَ المُؤمِنينَ حَقّاً حَقّاً . فَقالَ لَهُ : و ما عِلمُكَ بِأَنّي أميرُ المُؤمِنينَ حَقّاً حَقّاً ؟ قالَ لَهُ : بِذلِكَ أخبَرَنا عُلَماؤُنا وأَحبارُنا . فَقالَ لَهُ : يا حُبابُ . فَقالَ لَهُ الرّاهِبُ :
و ما عِلمُكَ بِاسمي ؟ فَقالَ : أعلَمَني بِذلِكَ حَبيبي رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله .
فَقالَ لَهُ الحُبابُ : مُدَّ يَدَكَ لِابايِعَكَ ، فَأَنَا أشهَدُ أن لا إلهَ إلَّااللَّهُ ، وأَنَّ مُحَمَّداً رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله ، وأَنَّكَ عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ وَصِيُّهُ .
فَقالَ لَهُ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام : وأَينَ تَأوي ؟ فَقالَ : أكونُ في قَلّايَةٍ لي هاهُنا . فَقالَ لَهُ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام : بَعدَ يَومِكَ هذا لا تَسكُن فيها ، ولكِنِ ابنِ هاهُنا مَسجِداً وسَمِّهِ بِاسمِ بانيهِ . فَبَناهُ رَجُلٌ اسمُهُ بُراثا ، فَسُمِّيَ المَسجِدُ بِبُراثا بِاسمِ الباني لَهُ . ثُمَّ قالَ :
ومِن أينَ تَشرَبُ يا حُبابُ ؟ فَقالَ : يا أميرَ المُؤمِنينَ ، مِن دِجلَةَ هاهُنا . قالَ : فَلِمَ لا تَحفِرُ هاهُنا عَيناً أو بِئراً ؟ فَقالَ لَهُ : يا أميرَ المُؤمِنينَ ، كُلَّما حَفَرنا بِئراً وَجَدناها مالِحَةً غَيرَ عَذبَةٍ . فَقالَ لَهُ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام : احفَر هاهُنا بِئراً . فَحَفَرَ فَخَرَجَت عَلَيهِم صَخرَةٌ لَم يَستَطيعوا قَلعَها . فَقَلَعَها أميرُ المُؤمِنينَ ، فَانقَلَعَت عَن عَينٍ أحلى مِنَ الشَّهدِ
هامش
( 1 ) . القَليَّةُ : كالصومعة ، واسمها عند النصارى : القلّاية : وهي بيوت عبادتهم ( النهاية : ج 4 ص 105 « قلا » ) .