إلّا زُهوقاً « 1 » ، وهُوَ شاهِدٌ عَلَيَّ بِما أذكُرُهُ ، ولي عَلَيكُم بِما أقولُهُ إذَا اجتَمَعنا لِيَومٍ لا رَيبَ فيهِ ، ويَسأَ لُنا عَمّا نَحنُ فيهِ مُختَلِفونَ ، إنَّهُ لَم يَجعَل لِصاحِبِ الكِتابِ عَلَى المَكتوبِ إلَيهِ ولا عَلَيكَ ولا عَلى أحَدٍ مِنَ الخَلقِ جَميعاً إمامَةً مُفتَرَضَةً ، ولا طاعَةً ولا ذِمَّةً ، وسَابَيِّنُ لَكُم جُملَةً تَكتَفونَ بِها إن شاءَ اللَّهُ تَعالى .
يا هذا يَرحَمُكَ اللَّهُ ، إنَّ اللَّهَ تَعالى لَم يَخلُقِ الخَلقَ عَبَثاً ، ولا أهمَلَهُم سُدىً ، بَل خَلَقَهُم بِقُدرَتِهِ ، وجَعَلَ لَهُم أسماعاً وأَبصاراً وقُلوباً وأَلباباً ، ثُمَّ بَعَثَ إلَيهِمُ النَّبِيّينَ عليهم السلام مُبَشِّرينَ ومُنذِرينَ ، يَأمُرونَهُم بِطاعَتِهِ ويَنهَونَهُم عَن مَعصِيَتِهِ ، ويُعَرِّفونَهُم ما جَهِلوهُ مِن أمرِ خالِقِهِم ودينِهِم ، وأَنزَلَ عَلَيهِم كِتاباً ، وبَعَثَ إلَيهِم مَلائِكَةً يَأتينَ بَينَهُم وبَينَ مَن بَعَثَهُم إلَيهِم بِالفَضلِ الَّذي جَعَلَهُ لَهُم عَلَيهِم ، و ما آتاهُم مِنَ الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ وَالبَراهينِ الباهِرَةِ ، وَالآياتِ الغالِبَةِ .
فَمِنهُم مَن جَعَلَ النّارَ عَلَيهِ بَرداً وسَلاماً وَاتَّخَذَهُ خَليلًا ، ومِنهُم مَن كَلَّمَهُ تَكليماً وجَعَلَ عَصاهُ ثُعباناً مُبيناً ، ومِنهُم مَن أحيَا المَوتى بِإِذنِ اللَّهِ ، وأَبرَأَ الأَكمَهَ « 2 » وَالأَبرَصَ « 3 » بِإِذنِ اللَّهِ ، ومِنهُم مَن عَلَّمَهُ مَنطِقَ الطَّيرِ واوتِيَ مِن كُلِّ شَيءٍ ، ثُمَّ بَعَثَ مُحَمَّداً صلى الله عليه و آله رَحمَةً لِلعالَمينَ ، وتَمَّمَ بِهِ نِعمَتَهُ ، وخَتَمَ بِهِ أنبِياءَهُ ، وأَرسَلَهُ إلَى النّاسِ كافَّةً ، وأَظهَرَ مِن صِدقِهِ ما أظهَرَ ، وبَيَّنَ مِن آياتِهِ وعَلاماتِهِ ما بَيَّنَ . ثُمَّ قَبَضَهُ صلى الله عليه و آله حَميداً فَقيداً سَعيداً .
وجَعَلَ الأَمرَ ( مِن ) بَعدِهِ إلى أخيهِ وَابنِ عَمِّهِ ووَصِيِّهِ ووارِثِهِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ عليه السلام ، ثُمَّ إلَى الأَوصِياءِ مِن وُلدِهِ واحِداً واحِداً ، أحيا بِهِم دينَهُ ، وأَتَمَّ بِهِم
هامش
( 1 ) . زَهَقَ الباطِلُ : زالَ وَبَطَل ( المصباح المنير : ص 258 « زهق » ) .
( 2 ) . كَمِهَ فهو أكمه : وهو العمى الذي يولد عليه الإنسان ، وربّما كان من مرض ( المصباح المنير : ص 541 « كمه » ) .
( 3 ) . البَرَصُ : لون مختلط حُمرَةً وبياضاً ، ولا يَحصُل إلّامن فساد المزاج وخلل في الطبيعة ( مجمع البحرين : ج 1 ص 141 « برص » ) .