بعد إعطاء الأمر بأداء حق الأقرباء والمساكين حتى لا يقع الإنسان تحت تأثير
عاطفة القرابة أو الصداقة فيعطي لهذا المسكين أو ابن السبيل أو القريب أكثر
مما يستحق أو يتحمل ، فيعتبر ذلك إسرافا وتبذيرا ، وهما مذمومان دائما .
الآية التي بعدها هي لتأكيد النهي عن التبذير إن المبذرين كانوا اخوان
الشياطين ، وكان الشيطان لربه كفورا .
أما كيف كفر الشيطان بنعم ربه ، فهذا واضح ، لأن الله أعطاه قدرة وقوة
واستعدادا وذكاءا خارقا للعادة ، ولكن الشيطان استفاد من هذه الأمور في غير
محلها ، أي في طريق إغواء الناس وإبعادهم عن الصراط المستقيم .
أما كون المبذرين إخوان الشياطين ، فذلك لأنهم كفروا بنعم الله ، إذ وضعوها
في غير مواضعها . ثم إن استخدام " إخوان " تعني أن أعمالهم متطابقة ومتناسقة مع
أعمال الشيطان ، كالأخوين اللذين تكون أعمالهما متشابهة ، أو أنهم قرناء
وجلساء للشيطان في الجحيم ، كما توضح ذلك الآية ( 39 ) من سورة الزخرف بعد
أن تشرك الشيطان والمذنب في العذاب : ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في
العذاب مشتركون .
أما لماذا جاءت كلمة شيطان هنا بصيغة الجمع " شياطين " ؟ قد يعود ذلك إلى
أن لكل إنسان غافل عن خالقه وربه ، شيطان قرين له ، كما نرى هذا المعنى
واضحا في الآية ( 36 ) و ( 38 ) من الزخرف : ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض
له شيطانا فهو له قرين . . حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين
فبئس القرين .
ثم أن الإنسان قد لا يملك ما يعطيه للمسكين أحيانا ، وفي هذه الحالة ترسم
الآية الكريمة طريقة التصرف بالنحو الآتي : إما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من
ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا .
" ميسور " مشتقة من " يسر " وهي بمعنى الراحة والسهولة ، أما هنا فلها مفهوم
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 460
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٦٠