ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون .
لقد تناولت آيات قرآنية كثيرة مسألة إحياء الأرض بواسطة نزول الأمطار
من السماء ، فكم من أرض يابسة أو ميتة أحيانا أو أصابها الجفاف فأخرجها عن
مجال الاستفادة من قبل الإنسان ، ونتيجة لما وصلت إليه من وضع قد يخيل
للإنسان أنها أرض غير منبتة أصلا ، ولا يصدق بأنها ستكون أرض معطاء مستقبلا
- ولكن ، بتوالي سقوط المطر عليها وما يبث عليها من أشعة الشمس ، ترى وكأنها
ميت قد تحرك حينما تدب فيه الروح من جديد ، فتسري في عروقها دماء المطر
وتعادلها الحياة ، فتعمل بحيوية ونشاط وتقدم أنواع الورود والنباتات ، ومن ثم
تتجه إليها الحشرات والطيور وأنواع الحيوانات الأخرى من كل جانب ،
وبذلك . . . تبدأ عجلة الحياة على ظهرها بالدوران من جديد .
وخلاصة المقال أنه سيبقى الإنسان مبهوتا أمام تحول الأرض الميتة إلى
مسرح جديد للحياة ، وهذا بحق من أعظم عجائب الخلقة .
وهذا المظهر من مظاهر قدرة وعظمة الخالق عز وجل يدلل بما لا يقبل الشك
على إمكان المعاد ، وما ارتداء الأموات لباس الحياة الجديد إلا أمر خاضع لقدرته
سبحانه .
وإن نعمة الأمطار ( التي لا يتحمل الإنسان أي قسط من أمر إيجادها ) دليل
آخر على قدرة وعظمة الخالق سبحانه .
وبعد ذكر نعمة الماء ( الذي يعتبر الخطوة الأولى على طريق الحياة ) يشير
القرآن الكريم إلى نعمة وجود الأنعام ، وبخصوص ما يؤخذ منها من اللبن كمادة
غذائية كثيرة الفائدة ، فيقول : وأن لكم في الأنعام لعبرة .
وأية عبرة أكثر من أن : نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا
خالصا سائغا للشاربين .
" الفرث " لغة : بمعنى الأغذية المهضومة في المعدة والتي بمجرد وصولها إلى
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 232
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٣٢