وهذا في الواقع جواب لأولئك الذين يقولون : إذا كان لهذا العالم إله عادل
فلماذا يترك الظالمين وحالهم ؟ هل هو غافل عنهم أم لا يستطيع أن يمنعهم وهو
يعلم بظلمهم ؟
فيجيب القرآن الكريم على ذلك بأن الله ليس غافلا عنهم أبدا ، لأن عدم
عقابهم مباشرة هو أن هذا العالم محل الامتحان والاختبار وتربية الناس ، وهذا لا
يتم إلا في ظل الحرية ، وسوف يأتي يوم حسابهم إنما يؤخرهم ليوم تشخص
فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء .
" تشخص " من مادة " الشخوص " بمعنى توقف العين عن الحركة والنظر إلى
نقطة بدهشة .
" مهطعين " من مادة " إهطاع " بمعنى رفع الرقبة ، ويعتقد البعض أنها بمعنى
" السرعة " وقال آخرون : تعني " النظر بذلة وخشوع " . ولكن بالنظر إلى الجمل
الأخرى يكون المعنى الأول أقرب إلى الصحة .
" مقنعي " من مادة " الإقناع " بمعنى رفع الرأس عاليا .
ومفهوم جملة لا يرتد إليهم طرفهم لا يقدرون على أن يطرفوا من شدة
الهول ، وكأن أعينهم كأعين الأموات عاطلة عن العمل !
وجملة أفئدتهم هواء بمعنى قلوبهم خالية ومضطربة بحيث ينسون كل
شئ حتى أنفسهم وفقدت قلوبهم وأنفسهم كل إدراك وعلم ، وفقدوا كل قواهم .
إن بيان هذه الصفات الخمس : تشخص الأبصار ، مهطعين ، مقنعي رؤوسهم ،
لا يرتد إليهم طرفهم ، أفئدتهم هواء ، صورة بليغة لهول وشدة ذلك اليوم على
الظالمين الذين كانوا يستهزئون بكل شئ ، وأصبحوا في هذا اليوم لا يستطيعون
حتى تحريك أجفان أعينهم .
ولكي لا يشاهدوا هذه المناظر المفجعة ينظرون إلى الأعلى فقط ، فهؤلاء
كانوا يعتقدون بكمال عقولهم ويعدون الآخرين من الحمقى ، فأصبحوا اليوم
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 534
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٣٤