هذه المحافظة كلما تقدمت به السن ، ويمنح الولد الإجازة ليخطو في حياته نحو
الاستقلال ، والا فسيكون كمثل غرسة النورس تحت ظل الشجرة القوية دائما لا
تنمو كما يلزم .
وربما وافق يعقوب ( عليه السلام ) - لهذا السبب - على اقتراح أبنائه رغم علاقته
الشديدة بيوسف ، وأرسله معهم إلى خارج المدينة ، ومع أن هذا الأمر كان صعبا
على يعقوب ، ولكن مصلحة يوسف وحاجته إلى الرشد والنمو كانت تستوجب
أن يجيزه أبوه ليبتعد عنه ساعات وأياما !
وهذه مسألة تربوية مهمة غفل عنها كثير من الآباء والأمهات ، حيث يربون
أولادهم تربية بحيث لا يستطيعون أن يعيشوا خارج " خيمة الأبوين "
ومحافظتهما عليهم ، وبالتالي يسقطون أمام تيارات الحوادث وضغوطها ، كما أن
هناك رجالا عظماء فقدوا والديهم في دور الطفولة ، ولكنهم صنعوا أنفسهم
بأيديهم وواجهوا المشاكل وتجاوزوها .
فالمهم أن يلتفت الوالدان إلى هذه المسألة التربوية ، وإلا فستكون محبتهما
" الكاذبة " مانعا من استقلال أولادهم .
من الطريف أن هذه المسألة موجودة في بعض الحيوانات بشكل غريزي ،
فنحن نرى أفراخ الدجاج " الفروج " - مثلا - يبدأ حياته تحت جناحي أمه ،
وتحافظ الدجاجة الأم عليها كما تحافظ على روحها " العزيزة " .
ولكن بعد فترة حيت تكبر هذه الأفراخ فإن الأم لا تترك المحافظة على هذه
الأفراخ فحسب ، بل تنقر أيا منها يصل إليها . ومعنى هذا أنها تريد أن تعودهم على
أن يتعلموا طريق الحياة المستقلة ! فإلى متى تعيشون غير مستقلين ؟ !
ولكن هذا الموضوع لا ينافي تقوية الروابط العائلية والمحافظة على المودة
والمحبة ، بل هي محبة عميقة وعلاقة محسوبة ونافعة للطرفين .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 152
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٥٢