تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
لقد أجاب نوح ( عليه السلام ) بجملة قصيرة على هذه اللجاجة والحماقة وعدم الاعتناء بقوله : إنما يأتيكم به الله إن شاء فذلك خارج من يدي على كل حال وليس باختياري ، إنما أنا رسوله ومطيع لأمره ، فلا تطلبوا مني العذاب والعقاب ! . . ولكن حين يحل عذابه فاعلموا أنكم لا تقدرون أن تفروا من يد قدرته أو تلجأوا إلى مأمن آخر وما أنتم بمعجزين . و " المعجز " مشتق من مادة " الإعجاز " وهي بمعنى سلب القدرة من الغير ، وتستعمل هذه الكلمة أحيانا في موارد يكون الإنسان مانعا لعمل الآخر أو لصده عن سبيله فيعجزه عن القيام بأي عمل ، وأحيانا تستعمل في فرار الإنسان من يد الآخر وخروجه من هيمنته فلا يقدر عليه ، وأحيانا تستعمل في تكبيل الآخر بالوثاق ، أو بجعله مصونا . . الخ . فكل هذه المعاني من أوجه الإعجاز وسلب القدرة من الطرف الآخر . الآية الآنفة الذكر تحتمل جميع هذه المعاني ، لأنه لا منافاة بين جميع هذه المعاني ، فكلها تعني أن لا حيلة تخلصكم وتجعلكم في أمان من عذابه . ثم يضيف : وإذا كان الله يريد أن يضلكم ويغويكم - لما أنتم عليه من الذنوب والتلوث الفكري والجسدي - فلا فائدة من نصحي لكم إذا ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم فهو وليكم وأنتم في قبضته هو ربكم وإليه ترجعون . سؤال : مع مطالعة هذه الآية يثور هذا السؤال فورا - كما أن كثيرا من المفسرين أشاروا إليه أيضا - وهو : هل يمكن أن يريد الله الغواية والضلال لعباده ؟ ثم أليس هذا دليلا على الجبر ؟ وهل يتوافق هذا المعنى مع أصل حرية الإرادة والاختيار للانسان ؟ والجواب : كما اتضح من ثنايا البحث المتقدم - وما أشرنا إليه مرات عديدة - أنه قد تصدر من الإنسان - أحيانا - سلسلة من الأعمال التي تكون نتيجتها الغواية
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 525 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي