تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
كان عليهم صعبا وثقيلا إلى درجة يتصور فيها أنهم فقدوا حاسة السمع ، فلا قدرة لهم على السمع ، وهذا التعبير ينسجم تماما مع قولنا مثلا : إن الشخص العاشق لا يستطيع أن يسمع كلاما عن عيوب معشوقه ! . . وبديهي أن عدم استطاعة دركهم الحقائق كانت نتيجة لجاجتهم الشديدة وعدائهم للحق والحقيقة ، وهذا لا يسلب عنهم المسؤولية ، لأنهم هم السبب في ذلك ، وهم الذي مهدوا له ، وكان بإمكانهم أن يبعدوا عنهم هذه الحالة ، لأن القدرة على السبب قدرة على المسبب . والآية التي بعدها تبين في جملة واحدة حصيلة سعيهم وجدهم في طريق الباطل ، فتقول : أولئك الذين خسروا أنفسهم وهذه أعظم خسارة يمكن أن تصيب الانسان ، إذ يخسر وجوده الإنساني . . ثم تضيف الآية : أنهم اتخذوا آلهة ومعبودين مصطنعين " مزيفين " ولكن تلاشت هذه الآلهة المصنوعة والمزيفة أخيرا . . وضل عنهم ما كانوا يفترون . وفي نهاية الآية بيان الحكم النهائي لمالهم وعاقبتهم بهذا التعبير لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون . والسبب واضح ، لأنهم حرموا من نعمة السمع الحاد والبصر النافذ ، وخسروا كل إنسانيتهم ووجودهم ، ومع هذه الحال فقد حملوا أثقال مسؤوليتهم وأثقال الآخرين مع أثقالهم . والمعنى الأصلي لكلمة " لا جرم " مأخوذ من " جرم " على وزن " حرم " وهو قطف الثمار من الأشجار ، كما نقل ذلك الراغب في مفرداته ، ثم توسع هذا المعنى فشمل كل نوع من الكسب والتحصيل ، ولكثرة استعمال الكلمة في الكسب غير المرغوب فيه شاعت في هذا المعنى ، ولذلك يطلق على الذنب أنه جرم . ولكن حين تبدأ هذه الكلمة جملة وهي مسبوقة ب‍ " لا " فيكون معناها حينئذ : أنه لا شئ يمكنه أن يمنع أو يقطع هذا الموضوع ، فهي قريبة من معنى " لابد " أو " من المسلم به " والله العالم " فتدبر " . * * *