تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
قاطعة وحادة ، فهي تقول : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولكي توكد ذلك قالت : ولو كانوا أولي قربى . ثم أن القرآن الكريم بين سبب ودليل هذا الحكم فقال : من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم فإن هذا العمل - أي الاستغفار للمشركين - عمل لا معنى له وفي غير محله ، لأن المشرك لا يمكن العفو عنه بأي وجه ، ولا سبيل لنجاة من سار في طريق الشرك ، إضافة إلى أن طلب المغفرة نوع من إظهار المحبة وارتباط بالمشركين ، وهذا هو الأمر الذي نهى عنه القرآن مرارا وتكرارا . ولما كان المسلمون العارفون بالقرآن قد قرأوا من قبل أن إبراهيم استغفر لعمه آزر ، ولذا فمن الممكن جدا أن يتبادر إلى أذهانهم هذا السؤال : ألم يكن آزر مشركا ؟ وإذا كان هذا العمل منهيا عنه فكيف يفعله هذا النبي الكبير ؟ لهذا نرى أن الآية الثانية تتطرق لهذا السؤال وتجيب عليه مباشرة لتطمئن القلوب ، فقالت : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين أنه عدو لله تبرأ منه . وفي آخر الآية توضيح بأن إبراهيم كان إنسانا خاضعا بين يدي الله عز وجل ، وخائفا من غضبه ، وحليما واسع الصدر ، فقالت : إن إبراهيم لأواه حليم . إن هذه الجملة قد تكون بيانا لسبب الوعد الذي قطعه إبراهيم لآزر بالاستغفار له ، لأن حلمه وصبره من جهة ، وكونه أواها - والذي يعني كونه رحيما طبقا لبعض التفاسير - من جهة أخرى ، كانا يوجبان أن يبذل قصارى جهده في سبيل هداية آزر ، حتى وإن كان بوعده بالاستغفار له ، وطلب المغفرة عن أعماله السابقة . ويحتمل أيضا أن تكون هذه الجملة دليلا على أن إبراهيم لخضوعه وخشوعه وخوفه من مخالفة أوامر الله سبحانه لم يكن مستعدا لأن يستغفر للمشركين أبدا ، بل إن هذا العمل كان مختصا بزمان كان أمل هداية آزر يعيش في قلبه ، ولهذا فإنه بمجرد أن اتضح أمر عداوته ترك هذا العمل .