3 2 - النفي لا يكفي لوحده !
الدرس الثاني الذي يمكن أخذه من هذه الآيات ، هو أن الله سبحانه وتعالى أمر
نبيه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في هذه الآيات أن لا يصلي في مسجد الضرار ، بل يصلي في المسجد
التي وضعت قواعده وأسسه على أساس التقوى .
إن النفي والإثبات يتجلى في الإسلام من شعاره الأصلي ( لا إله إلا الله ) إلى
أموره الصغيرة والكبيرة الأخرى ، يبين هذه الحقيقة ، وهي ضرورة وجود الاثبات
إلى جانب النفي دائما على أرض الواقع العملي ، فإنا إذا نهينا الناس عن الذهاب
إلى مراكز الفساد ، فيجب أن نبني ونوفر لهم المقابل المراكز النقية الصالحة لإشباع
روح الحياة الجماعية في الفرد وإرضائها . . . إذا منعنا وسائل اللهو المنحرفة ، فيجب
توفير وسائل لهو سالمة وهادفة . . . إذا حاربنا الثقافة الاستعمارية ، فيجب أن تهيئ
الثقافة الصحيحة والمراكز السليمة والمدارس الصالحة للتربية والتعليم . . . إذا
شجبنا الانحلال الخلقي والسقوط الاجتماعي ، فيجب أن نوفر وسائل الزواج
البسيطة ونضعها تحت تصرف الشباب .
الأشخاص الذين صبوا كل اهتماماتهم في جانب النفي ، دون الاهتمام
بالجانب الإيجابي والإثباتي ، عليهم أن يتيقنوا بأن نفيهم لوحده لا يثمر شيئا ، لأن
سنة الحياة أن تشبع كل الغرائز والأحاسيس عن الطريق الصحيح ، ولأن قانون
الإسلام المسلم به أن كل ( لا ) يجب أن تصحبها ( إلا ) ليتولد منها التوحيد الذي
يهب الحياة .
وهذا هو الدرس الذي نساه الكثير من المسلمين مع الأسف رغم تقصيرهم هذا
يشكون من عدم تقدم وتطور البرامج الإسلامية ! هذا في الوقت الذي لا ينحصر
برنامج الإسلام بالنفي كما يتخيل هؤلاء ، فإنهم إذا قرنوا النفي بالإثبات فإن
تقدمهم سيكون حتميا .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 226
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٢٦