تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
أعمالهم المعاكسة تماما لعاقبة أولئك . فهي تقول : لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم فكانت عاقبتهم أن يتمتعوا بكل الخيرات والسعادة واللذائذ المادية والمعنوية في الدنيا والآخرة وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون . كلمة ( الخيرات ) صيغة جمع محلى بالألف واللام ، ومن ذلك يستفاد عموميتها ، فهي تعبير جامع لكل توفيق وخير ونصر وموهبة ، وهي تشمل المادية منها والمعنوية . كما أن تعبير هاتين الجملتين - حسب القواعد التي قررت في المعاني والبيان - يدل على الحصر ، أي أن هذا التعبير يدل على أن ( المخلصين ) وحدهم يمثلون هذا الجانب المقابل ، ويدل على أن هؤلاء وحدهم الذين يستحقون كل خير وسعادة ، هؤلاء الذين يجاهدون بكل وجودهم وبكل ما يمتلكون . ويستفاد بوضوح من هذه الآية أن " الإيمان " و " الجهاد " إذا اتحدا في شخص ، فسيصحبهما كل خير وبركة ، ولا سبيل إلى الفلاح والإخلاص ، أو إلى شئ من الخيرات والبركات المادية والمعنوية إلا في ظل هذين العاملين . وهناك نقطة أخرى تستحق التنبيه لها ، وهي أننا نستفيد من خلال مقارنة صفات هاتين المجموعتين أن المنافقين - لفقدانهم الإيمان ، وتلوثهم المضاعف بالمعاصي والذنوب - أفراد جاهلون ، لذلك فهم محرومون من ( علو الهمة ) التي هي وليدة الفهم والشعور والوعي ، فهم يرضون أن يكونوا مع القاعدين من المرضى والصبيان ، ويأبون الحضور في سوح الجهاد رغم افتخاراته وامتيازاته . أما في المقابل ، فإن المؤمنين قد اتضحت لهم الأمور وأدركوا عواقبها فعلت همتهم بحيث رأوا أن الجهاد هو الطريق الوحيد للانتصار على المشاكل التي تعترضهم ، فسعوا إليه بكل وجودهم وقدراتهم . إن هذا الدرس الكبير هو الذي علمنا القرآن إياه في كثير من آياته ، ومع ذلك
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 158 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي