القاعدة لا غير ومؤدّاها خلوّ ذمّة المكلّف عن التكليف المشكوك فيه أو العقوبة والمؤاخذة المشكوك فيهما فاضافته إلى البراءة لاميّة ويحتمل كونها بيانية
قوله الثالث ان الراجح عند العقل براءة الذمة اه
هذا لا يخلو عن قوة الّا ان كونه مراد القوم محلّ اشكال وجعله الرّجحان على تقدير كونه المراد من باب الظن كما أشار اليه بقوله ان جعلنا الراجح الخ محلّ منع فانّ حكم العقل على المكلف الشاكّ بالبراءة اعني خلوّ ذمته من جهة قبح التكليف بلا بيان وقبح العقاب بلا إقامة البرهان وقبح تكليف ما لا يطاق قطعي غاية ما هنالك كون هذا الحكم المقطوع به حكما ظاهريّا لاخذ الشكّ في موضعه لا واقعيّا لفرض الشكّ فيه ومن هنا يقال إن الأصول العملية التي منها أصل البراءة لا نظر فيها إلى الواقع وليست متعرّضة لبيانه لدخول الشكّ في موضوعاتها والمراد بالشكّ هنا ما يعمّ الظنّ الغير المعتبر فإنه من جهة عدم الحجيّة والاعتبار في حكم الشكّ
قوله ويمكن الفرق بنحو آخر وهو ان يقال إن ذلك الأصل ناظر اه
وهذا هو الحقّ الذي لا محيص عنه فان هذا الأصل ان قلنا به متعرّض للواقع بنفي الحكم المشكوك فيه بحسب الواقع جار في موارد التكليف وموارد الوضع معا ولذا قد يحسن بالوقائع التي يعمّ بها البلوى لعدم دلالة عدم الدليل على العدم فيما لا تعم به البلوى بخلاف أصل البراءة فإنه ليس متعرّضا للواقع أصلا لا باثبات ولا بنفي بل مفاده على ما بيّناه مرارا خلوّ ذمة المكلف عن التكليف الالزامى الايجابي أو التحريمى وان كان الحكم المجعول للواقعة من حيث هي هو الوجوب أو الحرمة فإنه لكونه مجهولا لم يتوجّه إلى المكلف ولم يكن شاغلا لذمّته وهو المراد من قوله وهي ناظرة إلى تعلقها بخصوص ذمّة آحاد المكلفين فاصل البراءة على هذا الفرق ليس نوعا من الأصل المذكور بل بينهما تباين كلى وان كان مورد الاوّل اخصّ منه في الثاني
قوله أو من جهة الاخبار الصّحيحة اه
اثبات ذلك من جهة الاخبار مشكل بل موضع منع فان قصارى ما يستفاد من الاخبار وجوب ترتيب آثار الحالة السابقة المتيقّنة على الشيء في زمان الشكّ في بقاء تلك الحالة مع احتمال عدم بقائها فلا يكون الا حكما ظاهريّا لدخول الشكّ في الواقع والجهل به في موضوعه
قوله ثم إن الاستدلال بأصل البراءة امّا فيما يستقل العقل بالحكم بإباحته اه
فيه منع جريان أصل البراءة فيما يجرى فيه أصل الإباحة بمعنى الحكم العقلي ان أريد ممّا قبل وصول الشرع ما لم يجامع العلم الاجمالي بثبوت حكم للواقعة مجهول لنا مردّد بين الوجوب وغيره أو الحرمة وغيرها لما أشرنا اليه في الحواشى السّابقة من تغاير موضوعيهما فان ما لا حكم فيه من الشرع أصلا يغاير ما ثبت فيه حكم وجهل ذلك الحكم كما لا يخفى
قوله لا ينافي ان يكون في ذلك الشيء مفسدة اه
فان موضوع هذا الحكم من العقل ما كان خاليا عن امارة المفسدة لا ما لم يكن فيه مفسدة في الواقع غاية الأمر ان يكون حكمه بالإباحة تعليقيّا لكونه مراعى بعدم كشف الشرع عن وجود المفسدة فإذا كشف عن وجودها كما في كثير من الأشياء النافعة التي كانت قبل الشرع خالية عن امارة المفسدة كالغناء والنظر إلى الأجنبية وشرب الفقاع ونحو ذلك ارتفع هذا الحكم لارتفاع موضوعه
قوله فيحصل الظن من عدم الوجدان بعدم الوجود اه
فيه من الخلط ما لا يخفى لان الظنّ بعدم الوجود من جهة عدم الوجدان انما يعتبر في الأصل الآخر المعبّر عنه بان عدم الدليل دليل العدم لا في أصل البراءة الغير المتعرض للواقع باثبات ولا بنفي إذ قد عرفت انه ليس من أنواع الأصل المذكور فتفصيل المحقّق في الحقيقة خارج عن أصل البراءة جاز في الأصل الآخر على القول به
قوله للزوم التكليف بما لا يطاق اه
تتميم حكم العقل بالبراءة من جهة التكليف بما لا يطاق مع امكان الاحتياط باختيار الفعل في محتمل الوجوب والترك في محتمل الحرمة مشكل إذ ليس البحث في المكلف الغافل بل في الشاكّ الملتفت نعم انما يتم من جهة قبح التكليف بلا بيان والعقاب بلا إقامة البرهان
قوله فيظهر منه انّه دين الإمامية اه
بناء على ظهور الضمير في إرادة معاشر الامامية لا في إرادة نفسه اجلالا
قوله وعدم التعذيب كناية عن انه ليس هناك ايجاب وتحريم اه
كأنه أراد به نفى تعلقهما بالمكلّف الجاهل لجهله وان كانا ثابتين بحسب الواقع فان مفاد الآية واللّه اعلم نفى استحقاق العذاب باعتبار كون الجهل عذرا مانعا من تعلق الحكم الالزامى الواقعي على تقدير ثبوته بالمكلف الجاهل ما دام جاهلا باعتبار انتفاء أصل الحكم الالزامى بحسب الواقع حتى لا يصحّ الاستدلال بها على أصل البراءة الغير المتعرض للواقع باثبات ولا نفى
قوله حيث جمع في كلامه بين الاستدلال بالآية لأصل البراءة اه
فان الاستدلال بها لأصل البراءة مبنى على جعل نفى التعذيب كناية عن نفى تعلق التكليف الالزامى بذمة المكلف الجاهل ايجابا أو تحريما وان كانا ثابتين في الواقع ولا يتم الا فيما لا يستقلّ العقل بادراك حسنه أو قبحه أو على انكار ادراكه الايجاب والتحريم الشرعيّين ايض فيما أدرك حسنه أو قبحه ودفع الاشكال بالتزام العفو مبنى على منع كونه لنفى تعلق التكليف